آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-11:06ص

برعاية السعودية الجنوب أمام اختبار التوافق واغتنام الفرصة التاريخية

قبل 3 ساعات


دكتور قاسم الهارش
بقلم: دكتور قاسم الهارش
ارشيف الكاتب


في لحظات التحولات الكبرى لا تقاس قيمة الشعوب بارتفاع شعاراتها بل بقدرتها على قراءة التاريخ بوعي واستيعاب تعقيدات الحاضر واتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب. واليوم يقف الجنوب أمام مفترق طرق جديد يحمل في طياته فرصة سياسية نادرة ربما لا تقل أهمية عن أبرز المحطات المفصلية التي مر بها خلال العقود الماضية.

هذه الفرصة لا تأتي في سياق عابر بل تتشكل برعاية مباشرة وكريمة من المملكة العربية السعودية التي تضع بثقلها السياسي والإقليمي إطارا متكاملا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وتهيئة الأرضية لانطلاقة أكثر استقرارا ووضوحا. إنها لحظة تتجاوز حدود اللقاءات التقليدية لتصل إلى مستوى الاختبار الحقيقي لنضج القيادات ووعي الشارع وقدرة الجميع على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

إن استدعاء الذاكرة السياسية في هذا السياق ليس ترفا فكريا بل ضرورة وطنية ملحة. ففي عام 1990، وقبيل إعلان الوحدة، قدمت المملكة العربية السعودية نصائح وتحذيرات واضحة للجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية داعية إلى التريث وعدم الانزلاق نحو وحدة غير مدروسة العواقب. غير أن القيادة آنذاك لم تستوعب طبيعة التحذيرات التي طرحت أمامها وتعاملت معها بقدر من المكابرة والتعجل فاندفعت نحو خيار الوحدة دون قراءة متأنية لتعقيداته وتحدياته وهي خطوة لم تصمد طويلا لتدخل البلاد لاحقا في تجربة مضطربة انتهت إلى اختلالات عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

ولم تكن تلك الفرصة الوحيدة. ففي عام 1994، ومع اندلاع الحرب برزت فرصة أخرى مدعومة إقليميا لإعادة التوازن وتمكين الجنوب من استعادة موقعه إلا أنها أُهدرت مرة أخرى بفعل الانقسام وسوء التقدير وغياب الرؤية الموحدة. وهكذا تحولت لحظات كان يمكن أن تؤسس لمستقبل مختلف إلى دروس قاسية في كلفة التشتت وضريبة التردد.

اليوم يتكرر المشهد ولكن في سياق أكثر تعقيدا وتشابكا التحديات أكبر والمعاناة أعمق والرهانات أعلى. ومع ذلك فإن الفرصة لا تزال قائمة بل قد تكون الأخيرة بهذا المستوى من الجدية والرعاية الإقليمية.

فالحوار الجنوبي الجنوبي في الرياض ليس مجرد فعالية سياسية بل محطة مفصلية ستبنى عليها ملامح المرحلة القادمة.

المسؤولية هنا تقع أولا وأخيرا على عاتق القيادات الجنوبية. فإما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية وتدرك أن وحدة الصف ليست خيارا تكتيكيا بل ضرورة وجودية أو أن تعيد إنتاج أخطاء الماضي وتفتح الباب أمام دورة جديدة من الأزمات. إن أي مشروع سياسي لا يستند إلى توافق جنوبي حقيقي سيظل هشا عرضة للانهيار عند أول اختبار.

وفي المقابل لا يقل دور الشارع الجنوبي أهمية. فالمجتمع اليوم مدعو لأن يكون شريكا واعيا يمارس ضغطا إيجابيا باتجاه التوافق ويرفض الانجرار خلف خطاب المزايدات أو مشاريع التعطيل. لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تملك وعيا جمعيا حيا قادرة على تصحيح مسار قياداتها ودفعها نحو الخيارات الأكثر اتزانا.

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية عبر تاريخها السياسي أنها لاعب رئيسي في دعم الاستقرار الإقليمي ومساندة القضايا العادلة. وما تطرحه اليوم ليس مجرد مبادرة عابرة بل إطار عملي قابل للبناء عليه يتيح للجنوبيين فرصة إعادة صياغة موقفهم وتوحيد كلمتهم والانطلاق نحو مرحلة جديدة أكثر تماسكا.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونا بمدى استعداد الجنوبيين أنفسهم لالتقاط اللحظة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين والفرص الكبرى لا تتكرر كثيرا. والجنوب الذي دفع أثمانا باهظة نتيجة الانقسامات لم يعد يحتمل ترف إضاعة الفرص.

إن ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس مزيدا من الخطابات بل قرارا شجاعا ورؤية سياسية موحدة وإرادة حقيقية قادرة على تحويل الفرص إلى إنجازات. لقد آن الأوان لطي صفحة الماضي دون تجاهل دروسه والتوجه بثقة نحو المستقبل.


إما أن تسجل كفرصة تاريخية أحسن استثمارها

أو تضاف إلى سجل الفرص الضائعة.

والقرار هذه المرة بيد الجنوبيين وحدهم..