في خضم الاعتصامات التي اقامها المجلس الانتقالي بساحة العروض بعدن ، كنت اتابع من مكتبي سيل المسئولين وهم يتقاطرون الى الساحة وموظفي المؤسسات الحكومية.
كان الاغلب يشعر بدنو لحظة إعلان الانفصال ، مشهد غاية في الغرابة ،وجوه لاتعرف السياسة قط رأيتها في الساحة .
سألت كثيرون منهم عبر الواتس :" ما سلككم ؟ قالوا لم نكن من المحتجين قط ولكن يبدو ان لحظة الانفصال حانت ويجب ان يكون لدينا موقف.
تقريباً كنت الوحيد مع قلائل عدة التزموا الصمت ولم يتوجهوا للساحة .
ذات صباح وبينما كنت في مكتبي دلفت السكرتيرة لتخبرني ان عدد من الأشخاص يقولون انهم من المجلس الإنتقالي يريدون الدخول لمقابلتي.
قالوا لي بعد لقاء قصير :" لم يتبق الا انت هيا بنا الى الساحة .. ماهي مطالبك ؟
قلت لهم :" لا شيء انا مواطن ومش مقتنع وبس، انا مش ضدكم لكنني لست معكم، قرارات كثيرة خاطئة بحياتي لن اضيف لها قرار واحد .
في الـ 16 من ديسمبر 2025تواصل بي ناصر الكازمي وهو احد منظمي الاعتصام في ساحة العروض وكانت الساحة تغلي وتشتعل قال لي :" لم يتبقى الا انت ،لازم تنزل الساحة مستعدين نجي لك انا ومؤمن السقاف والشباب وتجي معنا صوتك مهم في هذه المرحلة ..
قلت له :" مستحيل ولا أرغب واللعبة اكبر مني ومنك وبيننا الأيام ..
ظهر اليوم التالي الساعة الرابعة عصراً رفعت سماعة هاتفي واتصلت "بجهاد الشوذبي" رجل دولة الظل في عدن وهو على المستوى الشخصي شخص في غاية اللطف والجمال وصديق عزيز.
قلت له :" وينك قال في البيت مخزن تعال نتحدث..
في منزله تحدثنا مطولا ، مد لي بعض اعواد القات أمسكتها بيدي ، سألني:" تتوقع كم نحكم ؟
قلت له :" اذا خلصتم هذا الشهر او هذا العام على اكبر تقدير خير وبركة لقد جئتم شيئا نكرا..!؟
ضحك بشدة :" قال كنت احسبك سياسي كبير وفاهم اليوم نحن في المهرة تقول لي هذا الكلام ..
قال لي جهاد :" مارايك نروح عند ابو القاسم ، صوتك ،وجودك مهم اي شروط اعتبرها محسومة واي مطالب انا لك فيها.
قلت له :" ماعندي اي شروط ولا مطالب انا مواطن عادي ولن اضيف لكم شيء .
كانت الساعة تقريبا تقترب من الخامسة عصراً .
خرجت من عند جهاد محمل بكم كبير من الاقتناع بإن كل شيء ضاع والى الأبد .
في الطريق أتصلت بموظف في اليمنية قلت له :" هل في رحلة هذا المساء الى القاهرة قال بعد ساعتين قلت له احجز لي، مريت المكتب واخذت جواز سفري واخي وانطلقت الى المطار دون أن اخبر اي مخلوق ولم احمل الا حقيبة يد صغيرة.
كنت أعتقد انها رحلة المغادرة الاخيرة .
رحلة الوداع
تحت سلم الطائرة طلبت من كارم السراري وكان على ذات الرحلة ان يلتقط لي صورة ختامية.
من نافذة الطائرة القيت نظرة الوداع الاخيرة ..
كان إعتقادي شيء ، لكن إرادة الله كانت شيء أخر…
هذا توثيق للحظات صعبة عشتها بحياتي ورأيت ان أدونها..
هي للذكرى ..
فتحي بن لزرق