منذ أن بدأت اهتمامي الجاد بالمطالعة والقراءة ومتابعة الشأن السياسي اليمني الحديث، كانت هناك شخصيات كبيرة لها وزنها الثقيل في المشهد اليمني أستلهم منها.. مواقفهم ورؤاهم، مساراتهم وكفاحهم، تجاربهم السياسية، وكل لكل شخصية حضورها في نفسي سواء من زواية واحدة أو من عدة زوايا، ولكن حضور شخصية علي سالم البيض طغت على وجداني وأسرت اهتمامي بالكامل، إنطلاقًا من صدقه ووفائه لقناعاته. لم يكن فضولي سياسيًا بحتًا، بل فضول معرفي للرجل الذي تحركه قناعاته أكثر من المناصب، الذي كان صادقًا مع ذاته ومع وطنه، حتى وإن كان الثمن عليه شخصيًا ثقيلًا. كلما تعمقتُ في قراءة مسيرته، شعرت أنني أمام رجل يختصر في حياته اليمن كله.. أحلامه، آلامه، تناقضاته، وصراعاته.
تابعتُ كل تفاصيله الممكنة؛ لقاءاته، خطاباته، تحركاته السياسية منذ نضاله ضد الاستعمار البريطاني، وصولًا إلى لحظاته الكبرى في كفاحه من أجل الوحدة، ثم تمرده على ما اعتبره غدرًا بالجنوب، وحتى صمته الأخير عن كلا المصيرين.
في كل مرحلة، كان علي سالم البيض يترك أثرًا عميقًا في نفسي، ويجعلني أتساءل عن حجم الإنسان الذي يمكن أن يحمل قضية وطنية بصدق ويظل صامتًا حين تضيع الأمور في الزوايا الرمادية للسياسة.
وما زاد من إعجابي وتأثري هو التناقض الذي يجسده في نظر اليمنيين أنفسهم. أنصار الوحدة يرون فيه الحامل الأول لهاجسها، رمزًا للأمل الكبير وبداية حلم التأسيس، بينما أنصار القضية الجنوبية يرونه الرجل الصادق، من أقرَّ بعدالة قضيتهم، حتى لو كان موقفه صعبًا على كثيرين. قليلون هم الذين يحظون بتلك المكانة في ذاكرة شعبين متقابلين، وقليل جدًا من الرجال من يمكن أن يكون لهم هذا التأثير المزدوج دون أن يسقطوا في النسيان أو النقد المفرط.
في داخلي العميق، شعرت أن علي سالم البيض ليس مجرد سياسي أو قائد، بل رجل فكرة ورمز تجربة. لم يكن ينحني للفرص أو المناصب، بل كان يقف عند حد قناعاته، حتى وإن كانت قاسية أو صعبة. أحيانًا شعرت بالإعجاب، وأحيانًا بالأسى، وأحيانًا بالدهشة من صمته الذي حمل رسالة أكبر من أي تصريح. صمته بالنسبة لي كان أعمق من أي خطاب؛ لأنه يعكس شخصًا حاول أن يكون أمينًا مع نفسه ومع وطنه في وقت غابت فيه الأمثلة النقية عن السياسة.
وكلما فكرت فيه، أحسستُ أن علي سالم البيض صار بالنسبة لي مرآة لليمن نفسه.. متناقض، مؤلم، معقد، لكنه حي في الذاكرة، حي في التأثير، ويمثل جزءًا من الحلم الضائع الذي يسعى اليمنيون للعثور عليه حتى اليوم. إن متابعة مسيرته جعلتني أتأمل أكثر في معنى الصدق والوفاء بالقناعات، وفي حجم ما يمكن أن يتركه الإنسان في نفوس الآخرين حين يسير خلف قناعاته دون تزييف أو مهادنة.
إن الحديث عن علي سالم البيض لم يكن مجرد اسم في تاريخ السياسة اليمنية، بل تجربة شخصية تعلمت منها الكثير.. عن الوحدة والانفصال، عن الشجاعة في المواقف، عن الصمت الذي أحيانًا يكون أقوى من الكلام، وعن قدرة الإنسان على أن يترك أثرًا عميقًا في قلوب من يتبَّعونه بصدق. هو رجل أسرتني قصته، ورمز لنضال معقد يستحق أن نتذكره ليس فقط بتقييمه السياسي، بل بما يتركه من إحساس، من تعلُّم، ومن دهشة إنسانية لا تنتهي.
إن رحيله ترك في داخلي شعورًا بالفراغ والحزن. لم يكن مجرد فقدان لشخصية سياسية، بل رحيل رجل حمل صدقه وقناعاته معه، وأثر في من تابعوه بجدية وتأمل. أدركتُ كم كان حضوره نادرًا في المشهد اليمني، وكم ترك أثرًا لا يُمحى في نفوس من تعرفوا عليه وتأثروا بمسيرته.