آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-02:09ص

‏مشروع الانفصال في اليمن ما بين أبوظبي والرياض

قبل ساعة


علي البخيتي
بقلم: علي البخيتي
ارشيف الكاتب


‏لا شرعية لأي حلٍّ أو حلولٍ للقضية الجنوبية تُطرح في الرياض، وبالذات تلك التي تمسّ بدستور اليمن ووحدته وأمنه وسلامة أراضيه. وتدرك السعودية ذلك، ولا تريد أن يُذكر في تاريخها يومًا أنها مزّقت اليمن، ومن قلب المملكة، الرياض.


‏فلماذا عُزف نشيد الانفصال ورُفع علمه في قلب الرياض ولأول مرة؟ وما سبب الانزعاج الواسع وشعور خيبة الأمل لدى كثير من محبّي اليمن الكبير؟ ولماذا انطلقت حملة ضد المملكة بشعار: «سنرفض الانفصال الذي تدعمه السعودية كما رفضنا الانفصال الذي دعمته الإمارات»؟ وبرز سؤال مُلحٌّ وجّهه إلينا كثيرون: لماذا سكتم عن عزف نشيد الانفصال في الرياض، مع أن الإمارات نفسها لم تجرؤ على عزفه في مؤتمر رسمي ترعاه حكومة أبوظبي؟ وهو سؤال وجيه فعلًا، وللإجابة عنه لا بد من تفكيك بعض العُقد وإيضاح بعض النقاط.


‏أولًا: ليست المملكة من صنعت القضية الجنوبية، ولا من فتحت باب الحوار حولها، بل نحن اليمنيين، ومن داخل صنعاء، قبل سقوط الدولة بيد الحوثي، وذلك في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، الذي كنت أحد أعضائه، وتحديدًا في فريق «القضية الجنوبية». ولهذا أزعم أنني ملمٌّ بهذه القضية منذ لحظة الاعتراف بها رسميًا من قِبل حكومة يمنية بصنعاء.


‏ثانيًا: جاء تدخل الرياض في ملف القضية الجنوبية كعملٍ جراحيٍّ طارئ، عقب غزوة المجلس الانتقالي المنحل، بدعمٍ إماراتي، لحضرموت والمهرة في 3 ديسمبر 2025، بهدف استكمال السيطرة على المحافظات الجنوبية وإعلان «الجنوب العبري» الإماراتي، الذي صرّح عيدروس الزبيدي بأنه سيوقّع فورًا على الاتفاقات الإبراهيمية ويطبّع مع إسرائيل. وتزامن ذلك مع تحرّك إماراتي–إسرائيلي في أرض الصومال المقابلة تمامًا لـ«الجنوب العبري». ولا أريد الإطالة في شرح مخاطر هذا المشروع، ولا أهدافه الإماراتية الإسرائيلية المشتركة بعيدة المدى، التي يدركها صناع القرار في المملكة جيدًا.


‏ثالثًا: لكي تنتزع المملكة الخنجر الإماراتي وتُجهض مشروع «الجنوب العبري» والشمال الصومالي «أرض الصومال»، دون أن تُقدَّم بوصفها عدوًا للقضية الجنوبية العادلة، أو للشعب في بعض المحافظات الجنوبية الذين اعتقدوا أن الطائرات السعودية أجهضت حلمهم باستعادة الدولة، كان لا بد أن توضّح للجميع أنها ليست ضد القضية الجنوبية، وأنها ستستضيف حوارًا بشأنها في الرياض. ومن يستضيف حوارًا يجب أن يكون محايدًا، وأن يسمح لكل فريق، في القاعة المخصصة له خلال المشاورات التمهيدية، برفع أعلامه ورموزه وعزف أناشيده المعبّرة عن قضيته. وهذا لا يعني أن المملكة ستسمح برفع تلك الأعلام أو عزف تلك الأناشيد في أماكن أو أوقات أخرى داخل السعودية، ولا يعني أيضًا أنها ستسمح بذلك في قاعة الحوار الجنوبي–الجنوبي الشامل الذي سيضم جميع القوى الجنوبية: الوحدويين، والانفصاليين، وأصحاب مشروع الإقليم الشرقي "حضرموت والمهرة وشبوة". كما أن المملكة، عند عقد مشاورات موازية «على طريق الحوار» بين الوحدويين الجنوبيين الذين سيرفعون بالطبع علم اليمن الكبير ويعزفون نشيده الوطني «نشيد الجمهورية اليمنية»، سيكون موقفها متحيزًا ومحرجًا لو منعت الانفصاليين من رفع أعلامهم أو عزف نشيدهم. وهذا نهج معروف في إدارة الحوارات المشابهة في كثير من الدول التي تستضيفه. وينطبق الأمر نفسه على حاملي القضية الحضرمية أو مشروع الإقليم الشرقي عند عقد لقائهم التشاوري قبل الحوار.


‏رابعًا: تدرك المملكة أن أي حوار يُجرى في الرياض بين المكونات الجنوبية لن يضع سوى خطوط عريضة ومبادئ عامة، ولن يُقرّ شيئًا نهائيًا ما دامت العاصمة اليمنية صنعاء بيد جماعة الحو..ثي. فأي حلول للقضية الجنوبية لا يمكن أن تكون شرعية إذا أقرتها حكومة في المنفى وُلدت في الرياض، إذ سيُطعن في قراراتها ولن يعترف بها العالم ولا الأمم المتحدة، وستُتّهم الدولة المستضيفة، وهي السعودية، بأنها صاحبة القرار الحقيقي، وأن حكومة المنفى اليمنية كانت مجرد واجهة.


‏لذلك ترى المملكة، بوصفها قائدة التحالف العربي، أن الصحيح ترتيب الأولويات، نبدأ باستعادة صنعاء، ثم انتخاب رئيس للجمهورية ومجلس نواب من الشعب مباشرة، وتشكيل حكومة جديدة، وبعدها يُفتح الحوار حول القضية الجنوبية في صنعاء، برعاية وضمانة المملكة، أو حتى في الرياض. وعند نضج المخرجات وتوافق اليمنيين، شمالًا وجنوبًا، يُقر الحل من قِبل الرئيس والحكومة والبرلمان في صنعاء، لتكون العملية منظمة ومعترفًا بها دوليًا، سواء أفضت إلى دولة جنوبية، أو أكثر من دولة، أو إلى تصحيح مسار الوحدة تحت اسم اليمن الكبير.


‏خامسًا: لا مشكلة لدي مع «الجنوب العربي» إذا خرج إلى النور عبر توافق سياسي ومسار قانوني يجنبنا فتنة جنوبية جنوبية أو حرب شمالية جنوبية أخرى، أو خليط منهما، لكن مشكلتي مع فرض «الجنوب العبري» وبالبندقية.