آخر تحديث :الأحد-18 يناير 2026-10:52م
أخبار وتقارير

ماذا يعني غياب عيدروس الزُبيدي عن لقاء الرياض

تقرير | التحول الاستراتيجي في الموقف السعودي تجاه القضية الجنوبية

تقرير | التحول الاستراتيجي في الموقف السعودي تجاه القضية الجنوبية
قبل ساعتين
- الواجهة العربية: وحدة التحليل السياسي


يمثل احتضان الرياض للقاء التشاوري الجنوبي، ورفع علم الجنوب وترديد نشيده الوطني داخل أروقة رسمية سعودية، انعطافة تاريخية في السياسة الخارجية للمملكة تجاه الملف اليمني، هذا الحدث ليس مجرد بروتوكول، بل هو إعلان عن مرحلة سياسية وعسكرية جديدة كلياً.


أولاً: دلالات الرعاية السعودية للحوار (الرمزية والسياسية)


إن سماح المملكة برفع الرموز السيادية الجنوبية على أرضها يعني انتقالها من دور "الوسيط الحذر" إلى دور "الضامن والراعي الرسمي" للمشروع الجنوبي. وتتجلى أهمية هذه الخطوة في:


- الاعتراف بالواقعية السياسية: إقرار سعودي بأن استقرار اليمن والمنطقة لا يمر عبر تهميش القضية الجنوبية، بل عبر وضعها في إطارها الصحيح كقضية "شعب ودولة".

- إنهاء حالة "الضبابية": المملكة ترسل رسالة للمجتمع الدولي بأنها تدعم تطلعات الجنوبيين في تقرير مصيرهم، مما يمنح المطالب الجنوبية مشروعية إقليمية ودولية لم تكن متوفرة بهذا الثقل من قبل.

- احتواء التباينات: رعاية الرياض تهدف لتوحيد الجبهة الجنوبية لضمان عدم انزلاق الجنوب إلى صراعات داخلية (مناطقية أو سياسية) بعد أي تسوية قادمة.


ثانياً: حل القضية الجنوبية في ظل التدخل السعودي المباشر


مع حل الهياكل السابقة (مثل المجلس الانتقالي بصيغته القديمة) ودمج القيادات في "إرادة جامعة" تحت إشراف سعودي، من المتوقع أن يتخذ الحل المسارات التالية:


- المسار التفاوضي المستقل: لن تعود القضية الجنوبية مجرد "بند" في مفاوضات السلام مع الحوثيين، بل ستصبح مساراً موازياً ومستقلاً يقرره الجنوبيون بأنفسهم.

- الفيدرالية المزمنة أو الاستقلال السلس: قد ترعى المملكة اتفاقاً يقضي بفترة انتقالية تضمن "استعادة الدولة" بشكل تدريجي ومنظم، يضمن المصالح المشتركة ويمنع الفوضى.

- التمكين الاقتصادي والعسكري: التزام المملكة بصرف الرواتب ودعم القوات الجنوبية (العمالقة، درع الوطن، النخبة) يعني تحويل هذه القوات إلى مؤسسات دفاعية شرعية لدولة قادمة، مدعومة بغطاء مالي وسياسي من الرياض.


بديل المجلس الانتقالي: "الكيان الجنوبي الجامع"


لم يعد المجلس الانتقالي الجنوبي (بصيغته السابقة المرتبطة بالإمارات) هو اللاعب الوحيد، بل البديل الذي يتشكل حالياً هو "كيان جنوبي عريض" تحت المظلة السعودية، ويتميز بالآتي:


القيادة الجديدة: برز أبو زرعة المحرمي (عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات العمالقة) كشخصية محورية تحظى بثقة الرياض والداخل الجنوبي، حيث يقود حالياً عملية "إعادة هيكلة" للمكونات الجنوبية لتكون أكثر انسجاماً مع التوجهات السعودية.


الشرعنة المؤسسية: البديل يهدف إلى تحويل "المطالب الانفصالية" من حراك شعبي مسلح إلى مشروع سياسي رسمي مدعوم بميزانية وصرف رواتب من المملكة، مع الحفاظ على القوات العسكرية الجنوبية كجزء من منظومة دفاعية منظمة (العمالقة، درع الوطن، النخبة).


غياب عيدروس الزبيدي: الدلالات والتأثير


غياب الزبيدي عن منصة الرياض (رغم أنه رئيس الانتقالي المنحل) يعتبر تحولاً جوهرياً:


تحييد "جناح الإمارات": يُنظر إلى غياب الزبيدي (واتهامات "الخيانة العظمى" التي أطلقها مجلس القيادة ضده) كخطوة سعودية لإنهاء النفوذ الإماراتي المباشر على القرار الجنوبي.


التأثير على الشارع: قد يؤدي غيابه إلى انقسام مؤقت بين "أنصار الزبيدي" وبين "التيار الواقعي" الذي يقوده المحرمي، لكن السيطرة على ملف الرواتب والدعم العسكري ترجح كفة الكيان الجديد الذي تدعمه الرياض.


ثالثاً: التغيير في مسار الحرب ضد الحوثيين والشرعية


هذا التحول سيؤدي إلى إعادة رسم خارطة القوى في اليمن كالتالي:


الحوثيون: سيفقد الحوثي ورقة "المناورة" بين الأطراف المناهضة له، وجود جنوب موحد ومدعوم سعودياً يعني جبهة صلبة عسكرياً وسياسياً، مما قد يجبرهم على تقديم تنازلات حقيقية.


الشرعية اليمنية: إعادة صياغة مفهوم "الشرعية" لتصبح شراكة بين "شمالي ممانع للحوثي" و"جنوبي باحث عن دولته"، بدلاً من الصيغة المركزية القديمة التي أثبتت فشلها.


محاربة الإرهاب: تعزيز الشراكة بين القوات الجنوبية والتحالف سيؤدي إلى تضييق الخناق على التنظيمات المتطرفة (القاعدة وداعش) في المحافظات الشرقية والوسطى.


يرى مراقبون إن ما حدث في الرياض هو "شهادة ميلاد" لواقع سياسي جديد، حيث قررت المملكة العربية السعودية وضع ثقلها خلف خيارات شعب الجنوب لضمان أمنها القومي وتأمين حدودها الجنوبية عبر حليف قوي ومستقر، هذا المسار ينهي حقبة "الوحدة القسرية" ويفتح الباب أمام "اتحاد مصالح" استراتيجي بين الرياض وعدن.