يعكس التباين الصارخ بين الخبرين في "صحيفة الوطن السعودية "حول عملية اغتيال اللواء جعفر محمد سعيد من حالة "انقلاب الملفات" السياسية في اليمن، فبينما كان الخطاب الإعلامي والأمني في 2015 يركز على عدو خارجي واحد (إيران وأدواتها)، انتقل في 2026 إلى توجيه اتهامات مباشرة وحادة بين شركاء التحالف ( الرياض وأبوظبي)
1. كيف تغيرت المعلومات الآن؟
المعلومات لم تتغير فحسب، بل نُقضت بالكامل.
- في 2015: كانت الرواية الرسمية تؤكد أن "الحرس الثوري الإيراني" هو من درب الخلية التي اغتالت المحافظ جعفر محمد سعد، مع تحميل تنظيم "داعش" وفلول "صالح" المسؤولية الميدانية. حسب الخبر الوارد في صحيفة الوطن السعودية " بعنوان(الحرس الثوري الإيراني وراء اغتيال محافظ عدن المنشور يوم السبت 12 ديسمبر 2015 - 01 ربيع الأول 1437 هـ الساعة 03:09 ) كان الهدف حينها توحيد الصف ضد "المشروع الإيراني".

- في 2026: تظهر شهادة العميد نصر الشاذلي (المسؤول الأمني القريب من المحافظ) لتقلب الطاولة، مؤكدة أن الاغتيال كان "تصفية سياسية بامتياز" نفذتها أدوات محلية بإشراف ضباط إماراتيين، بسبب رفض المحافظ تسليم الموانئ والمواقع السيادية، وكان الخبر منشور بعنوان(الشاذلي لـ"الوطن": الإمارات اغتالت اللواء جعفر بمفخخة للسيطرة على عدن يوم الاحد 11 يناير 2026 - 22 رجب 1447 هـ الساعة 22:30)

2. اغنيال جعفر .. لماذا تتهم السعودية (عبر صحيفة الوطن) الإمارات في هذا التوقيت؟
رغم أن التصريحات على لسان مسؤول يمني، إلا أن نشرها في صحيفة "الوطن" السعودية يحمل دلالات سياسية عميقة: - صراع النفوذ: بعد انسحاب الإمارات رسمياً، يبدو أن هناك رغبة في تقليص نفوذ حلفائها المحليين (المجلس الانتقالي) وإعادة ترتيب المشهد في عدن ليكون تحت سلطة الدولة المدعومة سعودياً. - تفكيك "الشرعية السابقة": الكشف عن هذه الملفات يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن القيادات التي صعدت عقب الاغتيال (الزبيدي، بن بريك، شائع)، وتقديمهم كأدوات نفذت أجندات غير وطنية. - الضغط السياسي: استغلال ملف "الاغتيالات" و"السجون السرية" كأوراق ضغط دولية وقانونية ضد أبوظبي في حال استمر التباين في المصالح الإقليمية.
3.إخراج الملفات السرية وتبادل الاتهامات
نعم، يبدو أننا دخلنا مرحلة "تكسير العظام" المعلوماتي، إنهاء الدور الرسمي للإمارات في اليمن لم ينهِ الصراع على الأرض، بل نقله إلى ساحة القضاء والرأي العام. - خروج قادة أمنيين مثل الشاذلي للحديث عن "مفخخات جهزت في أحواش تحت إشراف ضباط إماراتيين" يعني أن الطرف المدعوم سعودياً قرر رفع الغطاء عن "الصندوق الأسود" لفترة الحرب. - هذا التوقيت يشير إلى أن التفاهمات السياسية بين القطبين (الرياض وأبوظبي) في الملف اليمني وصلت إلى طريق مسدود، مما استدعى استخدام "الملفات الثقيلة" (الاغتيالات) لحسم السيطرة على عدن.
4. لماذا لم ترد الإمارات حتى الآن؟
هناك عدة أسباب مرجحة للصمت الإماراتي:
- الحذر القانوني: الاتهامات هذه المرة لا تأتي من ناشطين، بل من مسؤول أمني رفيع يدعي امتلاك أدلة، والرد قد يفتح باباً لمزيد من التسريبات أو التحقيقات الدولية. - سياسة "الترفع" أو التجاهل: غالباً ما تلتزم الإمارات الصمت تجاه الاتهامات الإعلامية، معتبرة إياها جزءاً من "المكايدة السياسية"، وتكتفي بالتحرك عبر حلفائها على الأرض. - انتظار وضوح الرؤية: قد تكون أبوظبي في حالة تقييم لمستوى التصعيد السعودي؛ هل هو مجرد رسالة إعلامية قرصة أذن، أم توجه استراتيجي للمحاكمة الدولية؟
أثر الاعترافات الجديدة على المسار الدولي والجنائي
تعتبر تقارير "فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة" تاريخياً من أكثر الوثائق إحراجاً للأطراف المتصارعة في اليمن، ظهور شهادات مثل شهادة العميد الشاذلي يغير اللعبة الدولية من عدة زوايا:
1. إعادة فتح ملف "الاغتيالات الممنهجة"
في تقارير سابقة، أشار فريق الخبراء إلى وجود "نمط" من الاغتيالات استهدف رجال دين، وقضاة، وضباطاً عسكريين في عدن (أكثر من 200 عملية). - التأثير: الاعترافات الجديدة توفر "الحلقة المفقودة" التي كان يبحث عنها المحققون الدوليون، وهي (الربط بين المنفذ الميداني والمخطط السياسي). - النتيجة المتوقعة: قد يطالب فريق الخبراء بإعادة فتح التحقيق في قضية اللواء جعفر تحديداً كـ "جريمة حرب" محتملة، بالنظر إلى أنها مهدت الطريق لتغيير ديموغرافي وسياسي في سلطة عدن.
2. من "إرهاب داعش" إلى "جرائم دولة"
- قانونياً: عندما كان الاتهام موجهاً لداعش أو الحرس الثوري (جهات غير معترف بها في عدن حينها)، كانت القضية تدرج تحت بند "مكافحة الإرهاب". - الآن: إذا ثبت تورط ضباط نظاميين (إماراتيين) وقيادات رسمية (المجلس الانتقالي)، تتحول القضية إلى "جريمة اغتيال سياسي خارج نطاق القضاء" تتحمل مسؤوليتها الدولة الراعية، مما يفتح الباب للمطالبة بتعويضات دولية أو ملاحقات عبر "الولاية القضائية الدولية".
3. المصداقية والضغوط على مجلس الأمن
ستواجه المنظمات الدولية (مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية) ضغوطاً لـ: - تحديث تقاريرها: استناداً إلى شهادة "شاهد عيان" من داخل الهرم الأمني (الشاذلي). - المطالبة بحماية الشهود: الضغط على الحكومة اليمنية والسعودية لتوفير حماية قانونية وجسدية للشاذلي وغيره من المسربين، لضمان وصول شهاداتهم إلى المحاكم الدولية.
العقبات المحتملة أمام التحقيق الدولي
رغم قوة هذه الاعترافات، إلا أن هناك عوائق قد تحول دون تحولها إلى محاكمات فورية: - المقايضات السياسية: قد تستخدم السعودية هذه الملفات "كوسيلة ضغط" لتحقيق مكاسب سياسية في المفاوضات مع الإمارات، ثم يتم إغلاق الملف لاحقاً في إطار "تسوية شاملة". ويرى مراقبون أن ملف اغتيال اللواء جعفر تحول من قضية "إرهاب عابر للحدود" إلى قضية "تصفية حسابات داخل التحالف"، ما يحدث الآن هو إعلان رسمي عن انتهاء حقبة "وحدة الهدف" وبدء حقبة "المحاسبة وتصفية التركات".