حققت الحركة الطلابية في صربيا تحولًا سياسيًا بارزًا بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية المبكرة، متقدمة على الحزب التقدمي الصربي بزعامة ألكسندر فوتشيتش، الذي هيمن على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وجاء هذا الانتصار بعد احتجاجات شعبية واسعة انطلقت أواخر عام 2024، على خلفية انهيار مظلة خرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصًا وأثار غضبًا واسعًا بشأن الفساد والمساءلة الحكومية. وتبرز أهمية هذا التحول في أن الحركة التي تصدرت المشهد الانتخابي لا تعتمد على زعيم واحد أو قيادة مركزية معلنة، بل تقوم على آلية جماعية لاتخاذ القرارات، في محاولة لتجنب تركيز السلطة في أيدي أفراد بعينهم، وضمان بقاء مشروعها السياسي مرتبطًا بالمطالب التي دفعت آلاف الطلاب والمواطنين إلى الاحتجاج.
من حادثة مأساوية إلى حركة احتجاجية واسعة
بدأت شرارة الاحتجاجات عقب انهيار المظلة الخرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد في نوفمبر 2024، وهو الحادث الذي أودى بحياة 16 شخصًا وأثار تساؤلات بشأن سلامة المنشآت العامة، وآليات تنفيذ المشروعات الحكومية، ومدى وجود فساد أو إهمال في الإجراءات المرتبطة بها. ومع تصاعد الغضب الشعبي، تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى حركة وطنية تطالب بكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين، ووضع حد للفساد والمحسوبية، وتعزيز استقلال المؤسسات العامة. واتسعت دائرة المشاركة تدريجيًا لتشمل قطاعات اجتماعية ومهنية مختلفة، ما منح الحركة زخمًا سياسيًا تجاوز الجامعات ومطالب الطلاب المباشرة.
قيادة جماعية بدلًا من الزعيم الواحد
اعتمدت الحركة الطلابية نموذجًا تنظيميًا يقوم على الاجتماعات الجماعية المعروفة باسم «البلينوم»، وهي مجالس يناقش المشاركون خلالها القضايا المطروحة ويتخذون القرارات بالتصويت. وتناوب الطلاب على إدارة الاجتماعات، مع الحرص على عدم احتكار أشخاص محددين الظهور الإعلامي أو تمثيل الحركة بصورة دائمة. ويهدف هذا النموذج إلى الحد من الصراعات الشخصية والطموحات الفردية، والحيلولة دون اختزال الحركة في شخصية واحدة يمكن استهدافها سياسيًا أو إعلاميًا. كما يسعى إلى ترسيخ مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار، بحيث تظل الأولويات والقرارات خاضعة للنقاش الجماعي. لكن نجاح هذا الأسلوب في إدارة الاحتجاجات لا يعني بالضرورة سهولة تطبيقه على مستوى الدولة؛ إذ تتطلب إدارة الحكومة تنسيقًا مستمرًا، ومسؤوليات تنفيذية واضحة، وقدرة على اتخاذ قرارات سريعة في الملفات الاقتصادية والأمنية والخارجية.
اختيار خبراء ومهنيين لتمثيل الحركة في البرلمان
مع انتقال الحركة من الاحتجاج إلى المنافسة الانتخابية، اتجه الطلاب إلى اختيار قائمة تضم 250 مرشحًا من أصحاب الخبرات المهنية والأكاديمية، بدلًا من ترشيح أنفسهم بصورة أساسية. وشملت القائمة أكاديميين ومحامين وأطباء وفنانين ومزارعين وشخصيات من مجالات متعددة. وجاء هذا التوجه انطلاقًا من قناعة بأن إدارة مؤسسات الدولة ينبغي أن تستند إلى الكفاءة والخبرة، لا إلى الولاء الحزبي وحده. واستغرقت عملية اختيار المرشحين أشهرًا من النقاش والتصويت، مع اتخاذ إجراءات للحد من تسريب الأسماء قبل إعلان القائمة رسميًا، تجنبًا للضغوط السياسية والحملات التي قد تستهدف المرشحين. ويعكس هذا الأسلوب رغبة الحركة في تقديم بديل عن النمط السياسي التقليدي، غير أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة هذه الشخصيات المتنوعة على العمل ضمن فريق حكومي متماسك، وتحويل مطالب الشارع إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
فوز انتخابي يفتح الطريق أمام تشكيل الحكومة
أسفرت الانتخابات البرلمانية المبكرة عن فوز كبير للحركة الطلابية، التي حصلت قائمتها على نحو 52 في المئة من الأصوات، وفق ما أورده تقرير فايننشال تايمز، لتنال قرابة 140 مقعدًا من أصل 250 في البرلمان الصربي. وبهذه النتيجة، تمكنت الحركة من إلحاق هزيمة انتخابية بالحزب التقدمي الصربي، الذي ارتبط اسمه بسنوات طويلة من النفوذ السياسي في عهد ألكسندر فوتشيتش. ويمثل الفوز فرصة أمام الحركة للانتقال من موقع المعارضة والاحتجاج إلى موقع المسؤولية الحكومية.
ومع ذلك، فإن حصد الأغلبية البرلمانية لا ينهي التحديات تلقائيًا؛ إذ يتعين على النواب الجدد الاتفاق على تشكيل الحكومة، وتحديد رئيسها وأعضائها، ووضع برنامج تنفيذي يحظى بالدعم الكافي داخل البرلمان. كما ستواجه الحكومة المرتقبة مؤسسات إدارية وشبكات نفوذ سياسية راسخة، ما قد يجعل تنفيذ الإصلاحات أكثر تعقيدًا من الفوز في الانتخابات.
مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات في صدارة الأولويات
وضعت الحركة مكافحة الفساد والمحسوبية، وتعزيز استقلال مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات العامة ضمن أبرز أولوياتها، وتشمل توجهاتها زيادة الشفافية في العقود والمشتريات الحكومية، ومراجعة المشروعات الممولة من المال العام، وتعزيز استقلال القضاء والإعلام، وتحسين أداء المؤسسات التي يفترض أن تخضع للقانون والمساءلة. وتسعى الحركة، وفق برنامجها المعلن، إلى استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، عبر إجراءات تضمن نشر المعلومات ومراجعة القرارات والصفقات الحكومية، ومحاسبة المسؤولين عن أي مخالفات تثبتها التحقيقات. غير أن هذه الوعود ستواجه اختبارًا عمليًا يتمثل في مدى استقلال أجهزة الرقابة والقضاء، وقدرة الحكومة الجديدة على مواجهة مقاومة محتملة من شبكات المصالح التي ترسخت خلال سنوات الحكم السابقة. كما أن ارتفاع سقف توقعات المواطنين قد يضع الحكومة تحت ضغط متزايد لتحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة.
تحديات الانسجام السياسي والخبرة الحكومية
على الرغم من نجاح الحركة في توحيد قطاعات واسعة حول مكافحة الفساد والتغيير السياسي، فإنها تضم شخصيات ذات خلفيات مهنية وتوجهات مختلفة، ولا تستند إلى حزب تقليدي ذي قيادة معلنة وبرنامج تفصيلي متفق عليه في جميع الملفات.
ويثير هذا التنوع تساؤلات بشأن قدرتها على المحافظة على وحدتها بعد الوصول إلى السلطة، خصوصًا عند الانتقال من الشعارات العامة إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالموازنة العامة، والضرائب، والاستثمار، والإنفاق الاجتماعي، وإدارة المؤسسات الأمنية والقضائية. كما أن الخبرة في تنظيم الاحتجاجات والعمل الأكاديمي لا تعادل بالضرورة الخبرة في إدارة الوزارات وأجهزة الدولة.
ومن ثم، ستحتاج الحكومة الجديدة إلى توزيع واضح للمسؤوليات، وآليات فعالة لتسوية الخلافات، وأولويات قابلة للقياس، حتى لا تتحول الاختلافات الداخلية إلى عامل يعرقل تنفيذ الإصلاحات.
السياسة الخارجية.. توازن بين أوروبا وروسيا
تواجه الحركة أيضًا تحديات تتعلق بموقع صربيا الخارجي وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. فبينما يتطلع جزء من أنصارها إلى تعزيز سيادة القانون وتقوية المؤسسات الديمقراطية وتقريب البلاد من المعايير الأوروبية، لا تبدو الحركة متجهة نحو تبني تحول جذري في جميع ملفات السياسة الخارجية. وتشير المواقف التي نقلتها وسائل إعلام دولية عن شخصيات في القائمة الطلابية إلى التمسك بالعلاقات التقليدية مع روسيا، ورفض الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة عليها، مع طرح مواقف تتباين بشأن مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وقضية كوسوفو. ومن المرجح أن تكون هذه الملفات من أكثر القضايا حساسية أمام الحكومة المرتقبة، إذ يتعين عليها الموازنة بين تطلعات الإصلاح الداخلي، والمصالح الاقتصادية والأمنية، والتوجهات المختلفة داخل المجتمع الصربي.
هل تنجح الحركة في تحويل الانتصار إلى تغيير مستدام؟
لا يقتصر التحدي أمام الحركة الطلابية الصربية على تشكيل الحكومة، بل يمتد إلى قدرتها على إحداث تغيير مؤسسي مستدام يمنع عودة الممارسات التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج. فالتجارب السياسية السابقة في البلاد والمنطقة تظهر أن إسقاط قوى حاكمة لا يضمن وحده تفكيك شبكات النفوذ أو ترسيخ استقلال المؤسسات. ولهذا، ستكون قدرة النواب الجدد على الالتزام بمبادئ الحركة، وإخضاع أداء الحكومة للرقابة، والوفاء بتعهدات مكافحة الفساد، من العوامل الحاسمة في تحديد مستقبل التجربة. كما أن عودة الطلاب إلى حياتهم الدراسية والمهنية تطرح سؤالًا حول كيفية استمرار الرقابة الشعبية على ممثليهم بعد توليهم المناصب العامة. وبينما يمنح الفوز الانتخابي الحركة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الصربي، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على الجمع بين المشاركة الجماعية والقيادة التنفيذية الفعالة، وتحويل المطالب الشعبية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. المصدر: صحيفة فايننشال تايمز، مع الاستناد إلى تقارير دولية حول المشهد السياسي في صربيا.