آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:39م
أخبار وتقارير

معركة الممرات.. 7 أكتوبر يحوّل الحوثيين إلى رأس حربة إيران بالبحر الأحمر

معركة الممرات.. 7 أكتوبر يحوّل الحوثيين إلى رأس حربة إيران بالبحر الأحمر
قبل ساعتين
- الواجهة العربية: متابعات

بعد 3 سنوات من هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تبدو آثار ذلك الحدث أبعد بكثير من حدود قطاع غزة، بعد أن أصبحت اليمن إحدى أكثر الساحات التي تلقت ارتداداته المباشرة، سياسيا وعسكريا وإستراتيجيا. 


ولعل المشهد الأكثر دلالة على هذا التحول يظهر في مضيق باب المندب، حيث انتقلت المواجهة خلال الأسابيع الأخيرة من مستوى التهديدات والهجمات البحرية إلى قتال بري مفتوح بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي للسيطرة على المواقع المطلة على أحد أهم الممرات المائية في العالم. 


مع اندلاع الحرب في غزة، انخرط "الحوثيون" في الصراع الإقليمي الأوسع ضمن بقية أطراف المحور الإيراني في المنطقة، وبدأت مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، بالتزامن مع إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، تحت مزاعم "إسناد فلسطين".


لكن هذا الانخراط لم يقتصر على توسيع نطاق عمليات الميليشيا، بل أسهم أيضا في إعادة تعريف موقع اليمن داخل المعادلة الإقليمية، ونقل الصراع من ساحته الداخلية إلى ممرات بحرية ذات أهمية دولية.


توسع الاستثمار الإيراني

في خضم هذا التحوّل، تعززت قيمة "الحوثيين" بالنسبة إلى طهران، انطلاقا من موقعهم الجغرافي المطل على إحدى أهم نقاط الاختناق البحري، بالتوازي مع سعي الميليشيا إلى الاضطلاع بدور أكثر تقدما داخل شبكة الأذرع الإيرانية في المنطقة.


وبموازاة الدور الجديد، لم يعد الدعم الإيراني للحوثيين يقتصر على الأسلحة التقليدية وعمليات التهريب المحدودة، بل اتجه، وفق تقارير دولية، إلى مستويات أكثر تعقيدا من التعاون العملياتي والتسليح النوعي، بما يعزز قدرة الميليشيا على خوض مواجهات بعيدة المدى وإدارة عمليات أكثر تطورا. 


وتوسعت شبكات الإمداد التي يديرها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني إلى خطوط بحرية متعددة ومعقدة، لتموين "الحوثيين" بمكونات عسكرية وتقنية تشمل محركات متقدمة للطائرات المسيّرة، وأجهزة اتصالات عسكرية ونظما لنقل البيانات، فضلًا عن صواريخ مجنحة ومضادة للسفن. 


ولم تتوقف المساعدات الإيرانية عند المعدات والتجهيزات الحربية، إذ أرسلت طهران مستشارين وخبراء عسكريين إلى اليمن، خصوصا مع تصاعد الضغوط والضربات التي تعرض لها حلفاؤها في الإقليم، وفي مقدمتهم "حزب الله" في لبنان، بالتوازي مع تقديم دعم مالي إضافي للمجهود الحربي الإقليمي للحوثيين، وفقا لتقارير دولية. 


وتشير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن في أحد تقاريرها، إلى تطور قياسي في مستوى الدعم الإيراني المقدم للحوثيين؛ ما نقلهم من فصيل محلي يعتمد بدرجة أساسية على تكتيكات حرب العصابات إلى ما وصفته اللجنة بـ"منظمة عسكرية شبه نظامية"، تمتلك قدرات تمكنها من تهديد الممرات البحرية الدولية والوصول إلى أهداف خارج الحدود اليمنية.



حسابات الأمن البحري الدولي 

مع ارتفاع وتيرة الهجمات الحوثية العابرة للحدود، تحولت الجبهة البحرية اليمنية إلى أزمة دولية، دفعت الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تشكيل ائتلاف دولي موسع لحماية الملاحة وطرق التجارة العالمي، تطور لاحقا إلى تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة استهدفت مواقع وقدرات حوثية داخل اليمن.


غير أن الأثر الأهم لهذه المواجهة لم يكن عسكريا فقط، وإنما يتمثل في إدخال القدرات الحوثية ضمن حسابات الأمن البحري الدولي، وتحويل الموقع الجغرافي لليمن من عامل ثانوي في الصراع إلى مصدر نفوذ مباشر للميليشيا. 


وتزايدت أهمية هذا العامل خلال العام 2026، مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ ما رفع القيمة الإستراتيجية لباب المندب بوصفه أحد الممرات الرئيسية لحركة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا، وأعاد تسليط الضوء على حساسية الساحل الغربي لليمن في أيّ مواجهة إقليمية واسعة.


واتهمت الحكومة اليمنية، الحرس الثوري الإيراني بإرسال دفعتين من الخبراء العسكريين والأسلحة المتقدمة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، مطلع يوليو/ تموز الماضي، فيما أشارت تقارير غربية إلى مشاركة ضباط إيرانيين في التخطيط وإدارة هجمات الميليشيا الأخيرة على الساحل الغربي.


وتعكس هذه المعطيات أن اليمن بالنسبة لإيران لم يعد مجرد ساحة نفوذ تقليدية، بل ورقة يمكن استخدامها في توسيع نطاق المواجهة البحرية في المنطقة، وتوظيفها في الضغط على خصومها الإقليميين والدوليين.


على إثر ذلك، بدأت المعادلة المحلية تتغير بشكل أكبر؛ إذ أصبحت المناطق الساحلية الغربية التي كانت تُُعامل سابقا كإحدى جبهات الحرب الداخلية، جزءا من حسابات أوسع تتصل بصراع النفوذ الإقليمي، فيما اكتسبت السيطرة على باب المندب والمناطق المحاذية له وزنا يفوق ما كانت تتمتع به قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول.



تعزيز القبضة الداخلية

وفي موازاة التصعيد العسكري الخارجي، استغل الحوثيون زخم هذا الدور في إعادة صياغة سردية الخطاب الداخلي، في محاولة لاحتواء الاحتقان الشعبي المتزايد في مناطق سيطرتهم، على خلفية التدهور المعيشي والاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية.


وسعت الميليشيا إلى تقديم نفسها كـ"رأس حربة" في مواجهة إسرائيل والغرب، ووظفت هذا الخطاب في تضييق مساحة المطالب الحقوقية المتصاعدة، وبدأت في ربط الانتقادات السياسية والمطالب الشعبية بالموقف من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية.


وفي هذا السياق، تصاعدت حملات التعبئة الدينية والقبلية تحت عناوين من قبيل "طوفان الأقصى" و"معركة الجهاد المقدس"، في المساجد والمدارس والمعسكرات الصيفية ومؤسسات الدولة الخاضعة لسيطرتها، بهدف استقطاب مزيد من المقاتلين ورفع الجاهزية العسكرية.


وبحسب ما أوردته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فقد تمكن "الحوثيون" خلال الأشهر الأولى من انخراطهم في التصعيد الإقليمي، من تجنيد أكثر من 70 ألف مقاتل جديد تتراوح أعمارهم بين 13 و25 عاما، لدفعهم إلى خطوط التماس مع القوات الحكومية في عدد من محافظات البلاد.


ويكشف حصاد السنوات الثلاث أن ما بدأ بوصفه "إسنادا لغزة" لم يبق محصورا في البحر، وإنما تحول تدريجيا إلى عامل أعاد رسم خريطة الحرب المحلية وموازينها، ودفع باليمن إلى قلب معادلة أمنية تتجاوز حدوده، فيما استثمر "الحوثيون" هذا الدور في توسيع نفوذهم على الصعيد الإقليمي وتكريس قبضتهم الأمنية والعسكرية في الداخل.