أصدر مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية، دراسة بحثية تحليلية متخصصة بعنوان "مطارح الكرامة في الريان.. استفاقة قبلية تاريخية تعيد ترسيخ السيادة العرفية في اليمن"، تناولت التحولات التي أحدثتها "مطارح الكرامة" للقبائل اليمنية في صحراء الريان بمديرية خب والشعف شرقي محافظة الجوف، ووصفتها بأنها تطور مفصلي يعيد رسم ديناميكيات الصراع في اليمن.
وأكدت الدراسة أن "مطارح الكرامة" مثلت لحظة عرفية واجتماعية استثنائية تجاوزت الانقسامات السياسية والجهوية، وأعلنت عن ولادة حراك قبلي واسع النطاق يتحدى سطوة مليشيا الحوثي المسلحة المتمردة، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة التفاعل القبلي مع مجريات الصراع.
وأعد الدراسة رئيس مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية محمد الولص بحيبح، بمشاركة الباحث في المركز عبدالرزاق قاسم، نائب رئيس المنتدى السياسي لدى مركز البحر الأحمر للدراسات، وذلك في إطار جهود المركز الرامية إلى تقديم دراسات علمية رصينة تسهم في إثراء المعرفة لدى المجتمع اليمني، ودعم الباحثين وقادة الرأي وصناع القرار والمهتمين بالشأن اليمني في الداخل والخارج.
ووفقاً لما خلصت إليه الدراسة، فإن "مطارح الكرامة" تمثل نقلة نوعية في تاريخ القبيلة اليمنية، إذ انتقلت من مرحلة الدفاع عن الحقوق المحلية إلى إعادة إنتاج مفهوم "السيادة العرفية" بوصفه إطاراً لمواجهة تسلط مليشيا الحوثي.
وأوضحت الدراسة أن مفهوم إعادة ترسيخ السيادة العرفية اليمنية يهدف إلى تعزيز وتثبيت المنظومة العرفية للقبيلة باعتبارها أحد المرتكزات التاريخية للهوية الوطنية اليمنية وإرثاً حضارياً متجذراً عبر قرون، وصون الأعراف القبلية من محاولات الطمس والتفكيك والاستبدال، في ظل ما وصفته بمحاولات جماعة الحوثي ذات الطابع السلالي إضعاف هوية القبيلة وتفكيك بنيتها القيمية والاجتماعية، إلى جانب حماية القبيلة وأعرافها من الأفكار والثقافات الدخيلة، لافتة إلى أن القبيلة مثلت صمام أمان للمجتمع في ظل غياب الدولة وضعفها، كما حدث عقب سقوط صنعاء في 21 سبتمبر 2014، حين سقطت مؤسسات الدولة وبقيت القبيلة ومطارحها، وفي مقدمتها مطارح مأرب، حاضرة في المشهد.
وأكدت الدراسة أن القبيلة اليمنية، بما تمتلكه من سيادة عرفية ومنظومة راسخة من القيم والأعراف، تمثل نظاماً وطنياً أصيلاً يشكل سنداً للدولة وشريكاً في ترسيخ الهوية الوطنية، كما تعد أحد المكونات التاريخية لمنظومة النظام والقانون، وأحد دعائم حماية السيادة الوطنية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
وأشارت الدراسة إلى أن دعوة الشيخ حمد بن فدغم إلى النكف القبلي العام لكافة قبائل اليمن أسهمت في استنفار قبلي واسع تجاوز الحدود الجغرافية، وتحولت صحراء الريان إلى ساحة حشد وطنية استقطبت آلاف المقاتلين المسلحين من مختلف القبائل اليمنية، بما تجاوز ـ بحسب الدراسة ـ السردية الحوثية التي حاولت تصوير الصراع على أنه نزاع محلي محدود.
وبيّنت الدراسة أنه، ورغم اتساع نطاق الاحتشاد القبلي، فإن "مطارح الكرامة" انتقلت سريعاً من حالة الغضب العفوي إلى العمل المؤسسي المنظم، من خلال التوقيع على "ميثاق الكرامة والشرف" بوصفه دستوراً عرفياً ملزماً، وتشكيل قيادة ميدانية عسكرية لإدارة شؤون المطارح، وهو ما أسهم، وفق الدراسة، في إفشال محاولات المليشيا لشق الصفوف أو استقطاب الولاءات بصورة منفردة.
وأضافت أن المقاتلين في المطارح أثبتوا جاهزية قتالية عالية عبر تمكنهم من إسقاط طائرات استطلاع وتجسس مسيرة تابعة لمليشيا الحوثي، في رسالة عسكرية تؤكد استعدادهم للدفاع عن مواقعهم والانتقال إلى الهجوم إذا اقتضت الضرورة.
ولفتت الدراسة إلى أنه، وعلى الرغم من محاولات مليشيا الحوثي تشويه هذا الحراك القبلي وتصويره على أنه مشروع مسيس ومدعوم حكومياً، فإن "مطارح الكرامة" استطاعت فرض نفسها كقوة ضاغطة، وكشفت حدود القوة العسكرية للمليشيا، التي باتت تدرك أن كلفة اقتحام المخيمات أو إشعال مواجهة شاملة في الصحراء ستكون مرتفعة.
وخلصت الدراسة إلى أن هذه التطورات تؤكد صلابة البنية القبلية في اليمن، وأن القبيلة ما تزال تمثل قوة حيوية ومحركاً رئيسياً في الصراع، وقادرة على تعبئة المجتمع واستعادة الكرامة الوطنية في أوقات الأزمات، بما يضع الحوثيين أمام تحديات جديدة تستوجب إعادة حساباتهم الاستراتيجية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
وأشار مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية إلى أنه سيتم نشر الدراسة بصيغة (PDF)، مع إتاحة رابط مباشر لتحميلها، بما يضمن وصولها إلى مختلف المهتمين والباحثين.
رابط الدراسة/
https://drive.google.com/file/d/160DuWfBF8AnV9TK-p6NaL3GitW8nuzzf/view?usp=drivesdk