في ظل التحديات المتفاقمة التي يواجهها قطاع الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على كافة مناحي الحياة والنشاط الاقتصادي، برزت الحاجة الملحّة إلى رؤية فنية متخصصة تتجاوز الحلول الإسعافية والترقيعية التي طالما اعتمدت عليها الإدارات المتعاقبة.
وفي هذا الإطار، وضع المهندس صالح الجوفي، أحد أبرز الخبرات الوطنية في قطاع الطاقة، دراسة استراتيجية متكاملة تقدم تشخيصاً دقيقاً وممنهجاً لحالة "الإفلاس الطاقي الهيكلي" التي تعاني منها المنظومة.
لا تكتفي هذه الدراسة برصد الفجوة العميقة بين العرض والطلب أو استعراض الأرقام المقلقة لعجز التوليد، بل تغوص في جذور الأزمة التي تتشابك فيها معضلات الوقود، وتهالك شبكات النقل والتوزيع، مع ضعف كفاءة الأصول التشغيلية. وتقدم الدراسة في طياتها خارطة طريق هندسية طموحة، مقسمة إلى مسارات استراتيجية تنفذ على المديين القصير والمتوسط، بهدف الانتقال بالمنظومة من حالة الانهيار إلى مرحلة الاستدامة.
ويعرض هذا التقرير تفاصيل تلك الدراسة، مستعرضاً الواقع الرقمي للأزمة، ومسبباتها الفنية واللوجستية، وصولاً إلى الحلول العملية المقترحة التي تضمن حوكمة القطاع، ورفع كفاءة الإنتاج، وتأمين استقرار الطاقة كضرورة لا غنى عنها لاستعادة التعافي الاقتصادي والخدمي في عدن.
المبحث الأول: تشريح الواقع.. لغة الأرقام الصادمة
كشفت دراسة الجوفي أن أزمة الكهرباء في عدن ليست مجرد انقطاعات عارضة، بل هي انهيار هيكلي متسارع. ووفقاً للبيانات الرقمية الواردة في التقرير، فإن المشهد يتلخص في الآتي:
✓ الفجوة التوليدية: يصل الطلب خلال ذروة الصيف إلى ما بين 630MW و700MW، بينما لا يتجاوز الإنتاج المتاح نهاراً 257MW (شاملاً الدعم الإماراتي)، وينخفض ليلاً إلى 191MW فقط مع غياب الطاقة الشمسية، مما يخلق عجزاً يتجاوز 60% من إجمالي الطلب.
✓ الأصول المجمدة: أكد التقرير وجود 250MW من القدرات المركبة المعطلة أو المهدرة؛ أبرزها محطة "الرئيس" التي تنتج 95MW فقط من قدرتها البالغة 264MW بسبب نقص دوائر تصريف الطاقة، بالإضافة إلى توقف التوربين الصيني في "الحسوة" والمحطة القطرية، وتراجع كفاءة محطة المنصورة.
المبحث الثاني: جذور الأزمة.. الاستنزاف المالي والتهالك الهيكلي
حدد المهندس الجوفي مسببات الانقطاع في مسارين مترابطين:
1- معضلة الوقود: الاعتماد الكلي على "الديزل" كلف الدولة مبالغ طائلة، مع تدني الكفاءة الحرارية، حيث تستهلك محطات قديمة مثل "الحسوة" وقوداً أضعاف المعايير الدولية، فضلاً عن الارتهان للطاقة المشتراة التي تعاني من عدم انتظام المنح، مما يسبب هزات عنيفة للشبكة.
2- نزيف الشبكة: كشف التقرير أن الفقد في الشبكة وصل إلى نسبة كارثية تلامس 44%، مقسمة بين فقد فني نتيجة تهالك الكابلات والمحولات، وفقد تجاري ناجم عن الربط العشوائي وغياب الأنظمة الرقمية للتحصيل.
المبحث الثالث: خارطة طريق الإصلاح.. خطة خماسية مستدامة
لم يكتفِ المهندس الجوفي بالتشخيص، بل وضع خارطة طريق من أربعة مسارات تنفيذية:
✓ المسار الأول (المدى القصير 6-12 شهراً): استعادة الأصول المعطلة، بما في ذلك استكمال خطوط تصريف الطاقة لمحطة "الرئيس"، وصيانة التوربين الصيني، وتأهيل المحطة القطرية، وهو ما سيرفد المنظومة بـ 125MW إلى 150MW إضافية.
✓ المسار الثاني (المدى المتوسط 1-3 سنوات): تطبيق نظام "الدورة المركبة" في محطة الرئيس لرفع كفاءتها دون وقود إضافي، وإحلال محطات حكومية تعمل بالمازوت أو الغاز بدلاً من عقود الطاقة المشتراة المكلفة.
✓ المسار الثالث (تحديث الشبكة): البدء بالمشروع الوطني للعدادات الذكية مسبقة الدفع، وإعادة اتزان الأحمال، وإنشاء مركز تحكم رقمي (SCADA) لعزل الأعطال تلقائياً.
✓ المسار الرابع (حوكمة الطاقة): التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية المدمجة ببطاريات الليثيوم (BESS)، وتفعيل الأطر القانونية لفصل اختصاصات التوليد عن النقل والتوزيع، وضمان شفافية الاستثمارات.
تأتي دراسة المهندس صالح الجوفي لتضع المعنيين أمام مسؤولياتهم التاريخية، مؤكدة أن الخروج من "نفق الإظلام" لا يتطلب سوى إرادة حقيقية لتبني الحلول الهندسية العلمية، والابتعاد عن الترقيع، والبدء في استراتيجية بناء أصول مملوكة للدولة تضمن الاستدامة وتنهي معاناة المواطنين.