في تحول جيوسياسي حاسم، بدأت المملكة العربية السعودية مرحلة "تصفير الأجندات" في المحافظات الجنوبية، حيث تضع الرياض اللمسات الأخيرة على استراتيجية شاملة لإنهاء حقبة الهيمنة الإماراتية التي تسببت لسنوات في تعميق الانقسام وتفكيك مؤسسات الدولة. هذا المسار، الذي يتقاطع مع إعادة استدعاء المهندس أحمد بن أحمد الميسري إلى الواجهة، يؤكد أن صبر المملكة على "أدوات الفوضى" قد نفد، وأن القرار الوطني اليمني بات في طريقه للتحرر من أي ارتهان خارجي.
تصفير النفوذ: من "أبو زرعة" إلى "المكونات الهامشية"
تعتمد الرياض استراتيجية دقيقة ومكثفة لإنهاء وجود أي شخصية أو فصيل يأتمر بأمر أبوظبي. وفي هذا السياق، تستخدم المملكة عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة) كأداة "تفكيك مؤقتة"؛ حيث يُكلف اليوم بهدم الهياكل التي لطالما كانت متمردة على الشرعية. لكن المخطط السعودي يتجاوز ذلك؛ فالمحرمي نفسه بات يُنظر إليه داخل أروقة القرار السعودي كـ "مرحلة انتقالية" سيتم تهميشها وإزاحتها فور إنجاز مهمة تفكيك منظومة الانتقالي.
وعلى الصعيد السياسي، لم يعد للمجلس الانتقالي المنحل أي حصانة أو أفضلية؛ إذ تعامله الرياض اليوم ككيان باهت سيُذوّب ضمن مئات المكونات الجنوبية التي ستشارك في الحوار القادم، فالمملكة تسعى لإغراق "الانتقالي" في بحر من القوى الوطنية، ليتحول من طرف "مسيطر" إلى مكون ثانوي لا يملك حق الفيتو، في إيذانٍ نهائي بانتهاء مشروع "دولة الانتقالي" الممول إقليمياً.
عودة الميسري: استعادة الشرعية وتثبيت المسار
في قلب هذا التحول الجذري، تبرز عودة المهندس أحمد بن أحمد الميسري، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق، كإشارة قوية لاستعادة الدولة لهيبتها.
إن عودة الميسري ليست مجرد تحرك إداري، بل هي استعادة لرمزيته كعدوٍ أول للمشاريع المليشياوية التي مزقت عدن.
يراهن صُنّاع القرار في الرياض على الميسري لثلاثة أسباب جوهرية:
الشرعية الجماهيرية: يمتلك الميسري امتداداً شعبياً واسعاً، مما يجعله القادر على منح الحوار الجنوبي-الجنوبي "غطاءً وطنياً" عصياً على الانقسام.
الواقعية الأمنية: بحكم خبرته كوزير داخلية سابق، يمتلك الميسري القدرة على تفكيك شبكات النفوذ الموازية التي زرعتها أبوظبي في مفاصل المؤسسات الأمنية.
الثقة السعودية: تعكس عودته رغبة الرياض في وجود حليف صلب ومحترف يمتلك الجرأة لإنهاء "عقلية المليشيا" وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية خالصة.
مآلات المشهد: عهد الوكلاء يطويه التاريخ
إن الحرب الباردة في عدن وصلت إلى خواتيمها. فقد أثبتت التطورات الأخيرة، خاصة منذ يناير 2026، أن الهيمنة الإماراتية لم تجلب سوى التشرذم والتعطيل لمؤسسات الدولة، واليوم، تبدو الرياض عازمة على المضي قدماً نحو فرض تسوية سياسية شاملة أو حسم استراتيجي تجاه الجماعة الحوثية المتطرفة، وهو ما يتطلب جبهة جنوبية موحدة لا مكان فيها لأجندات خارجية.
إن استدعاء الميسري وبدء اللقاءات "الطاولة المستديرة" في الرياض، بالتزامن مع إضعاف "أدوات أبوظبي" داخل عدن، يمثل ضربة قاصمة لمشاريع النفوذ الموازي. لقد أدركت الرياض أن أمنها واستقرار اليمن يتطلب تصفية كل أشكال الوكالة، لتبدأ مرحلة جديدة تُدار فيها الدولة من عدن، وبقرار يمني خالص تحت مظلة المملكة. خلاصة القول، إن حقبة الهيمنة الإماراتية في جنوب اليمن قد أصبحت جزءاً من الماضي، واليمن اليوم يقف على أعتاب مرحلة تُعيد فيها الرياض ترتيب أوراقها، حيث لم يعد هناك مكان للوكلاء، وأضحى استحضار الشخصيات الوطنية ذات الامتداد الشعبي كالميسري هو الضمانة الوحيدة لإعادة إطلاق عجلة الدولة اليمنية.