لا تزال أصداء الحرب الباردة تتردد في أعماق بحر النرويج، حيث ترقد الغواصة السوفيتية "كي 278 كومسوموليتس" (K-278 Komsomolets) منذ أكثر من ثلاثة عقود، محتفظة بأسرارها النووية في قاع سحيق، بعد مأساة بحرية شكلت واحدة من أكثر فصول التنافس العسكري إثارة للجدل في القرن العشرين.
صراع التكنولوجيا والأعماق
في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، اتخذ سباق التسلح منحىً تقنياً محموماً، حيث سعت موسكو لتعويض التفوق الأميركي من خلال تطوير غواصات قادرة على الصمود في أعماق غير مسبوقة. نتج عن هذا التوجه مشروع "685 بلافنيك"، الذي أثمر عن الغواصة "كي 278"، درة التاج في الأسطول السوفيتي آنذاك.
تم تصميم الغواصة بهيكل من التيتانيوم الصلب، مما سمح لها بالغوص لمسافات تتجاوز الألف متر، وهو ما جعلها "شبحاً" يصعب تعقبه. دخلت الخدمة في عام 1983، بطول يناهز 117 متراً، ومُسّلحة بطوربيدات ذات رؤوس نووية مصممة لمواجهة التهديدات الاستراتيجية في البحار المفتوحة.
كارثة 1989: من الفخر إلى الحطام
في السابع من أبريل 1989، تحول طموح الهندسة السوفيتية إلى مأساة؛ حيث اندلع حريق في القسم الخلفي للغواصة نتيجة خلل كهربائي أثناء إبحارها في بحر النرويج. ورغم نجاح الطاقم في إغلاق المفاعل النووي، إلا أن النيران استعرت وخرجت عن السيطرة، مما أدى إلى غرق الغواصة على عمق 1700 متر. أسفر الحادث عن مصرع 42 من أفراد الطاقم في المياه المتجمدة، بينما نجا 27 آخرون فقط.
تركة نووية تحت المراقبة
تستقر "كي 278" اليوم في قاع البحر حاملةً معها مفاعلها النووي ورأسين نوويين. ونظراً لتعقيد عملية الانتشال وتكلفتها الباهظة، فضلاً عن المخاطر البيئية، اتخذت السلطات الروسية والنرويجية قراراً بالإبقاء على الحطام في مكانه.
تنفذ موسكو وأوسلو بعثات مراقبة دورية لموقع الغرق، للتأكد من سلامة الرؤوس الحربية والمفاعل، وضمان عدم حدوث أي تسرب إشعاعي قد يهدد النظام البيئي البحري.
وتظل هذه الغواصة شاهداً صامتاً على مرحلة مفصلية في تاريخ التنافس النووي العالمي، حيث لا تزال الأسلحة التي صُنعت للردع الاستراتيجي محبوسة في سجنها المائي، ربما إلى الأبد.