في وقت تتصاعد فيه حدة التوتر في البحر الأسود، وتقترب فيه الحرب الروسية ـ الأوكرانية من حدود تماس أكثر خطورة مع حلف شمال الأطلسي، برزت حادثة استهداف سفن في البحر الأسود واختراق مسيّرات للأجواء الرومانية بوصفها مؤشراً جديداً على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية.
وبينما سارعت أطراف غربية إلى تحميل موسكو المسؤولية، قدّم أستاذ العلوم السياسية نزار بوش قراءة مغايرة للمشهد، اعتبر فيها أن الاتهامات الموجهة لروسيا "مسبقة الصنع" وتفتقر إلى الأدلة التقنية والقانونية الحاسمة.
اتهامات سريعة وتشكيك في الرواية الغربية
خلال حديثه إلى برنامج "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، رأى بوش أن توجيه الاتهام مباشرة إلى روسيا يعكس نمطاً متكرراً في التعامل الغربي مع الحوادث الأمنية المرتبطة بالحرب الأوكرانية، مستحضراً ما جرى عام 2022 عندما سقطت صواريخ داخل الأراضي البولندية وأوقعت قتلى، إذ اتهمت روسيا مباشرة قبل أن تتكشف لاحقاً معطيات مختلفة بشأن مصدر الهجوم.
وأشار إلى أن الأمر تكرر أيضاً مع حوادث دخول مسيّرات إلى بولندا ودول البلطيق، حيث وُجهت الاتهامات سريعاً إلى موسكو، معتبراً أن هذا السلوك يعكس حكماً سياسياً مسبقاً أكثر من كونه نتيجة لتحقيقات تقنية مكتملة.
وبحسب بوش، فإن تحديد مصدر المسيّرات أمر بالغ الصعوبة، خصوصاً في ظل التطور التقني للطائرات المسيّرة الصغيرة، التي قد تخترق أجواء دول كبرى من دون أن يتم رصدها بدقة.
واستشهد في هذا السياق بحادثة المنطاد الصيني الذي دخل الأجواء الأميركية، معتبراً أنها كشفت حدود القدرة على التتبع والرصد حتى لدى القوى الكبرى.
احتمال تورط أوكراني ومحاولة جرّ الناتو
وفي قراءته لتطورات البحر الأسود، لم يستبعد بوش احتمال أن تكون بعض المسيّرات أوكرانية المنشأ، أو أن تكون كييف قد استخدمت هذه الحوادث لدفع الغرب إلى الانخراط المباشر في مواجهة مع روسيا.
وقال إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "يائس" من تحقيق اختراق سياسي أو عسكري، ما قد يدفعه ـ وفق تقديره ـ إلى خطوات هدفها استدراج حلف الناتو إلى الحرب.
ورغم طرحه لهذا الاحتمال، شدد بوش على أنه لا يجزم بهوية المسيّرات، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في "إطلاق الاتهامات قبل التحقيق"، ومن دون تقديم أدلة تتعلق بمصدر التصنيع أو مكونات المسيّرة أو محركاتها.
وفي المقابل، أشار إلى أن موسكو قدمت ـ بحسب قوله ـ أدلة على أن المسيّرات التي استهدفت منشأة تعليمية في لوغانسك، وأدت إلى سقوط قتلى من الأطفال والنساء، كانت تحمل مكونات إيطالية وإسبانية وبريطانية، مضيفاً أن الدول الغربية لم تُدن تلك الهجمات رغم سقوط ضحايا مدنيين روس.
استنزاف روسيا وإطالة أمد الحرب
وربط بوش بين التصعيد الحالي وما وصفه بمحاولة غربية لاستنزاف روسيا عبر إطالة أمد الحرب في أوكرانيا.
واعتبر أن الغرب يستخدم كييف أداة للضغط على موسكو، بهدف إنهاك الاقتصاد الروسي واستنزاف القدرات الروسية على المدى الطويل.
وبحسب تحليله، فإن الرهان الغربي لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الداخل الروسي، من خلال التعويل على حدوث اضطرابات داخلية أو تصاعد معارضة سياسية ضد القيادة الروسية نتيجة استمرار الحرب وتكاليفها الاقتصادية.
إلا أن بوش أبدى تشكيكه في نجاح هذا السيناريو، مؤكداً أن "الشعب الروسي ما زال ملتفاً حول قيادته"، وأن موسكو لا تزال تمتلك القدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.
رسائل بوتين وتحذيرات الردع
وفي خضم التصعيد المتبادل، توقف بوش عند تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي حذر فيها من أن موسكو تمتلك أسلحة قادرة على "محو كل شيء" لدى خصومها إذا تعرضت مناطقها لضربات مباشرة.
واعتبر أن هذه التصريحات تأتي في إطار الردع المتبادل، وفي سياق الرسائل الروسية الموجهة إلى الناتو والدول الأوروبية، بعد تصاعد الدعوات الغربية لتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، على خلفية الحوادث المرتبطة بالمسيّرات.
كما أشار إلى أن دولاً أوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول البلطيق، باتت تدفع باتجاه مزيد من التصعيد مع موسكو، لافتاً إلى أن فرنسا “تحشد نووياً ضد روسيا”، وفق تعبيره.
تجارة السلاح والمستفيد من الحرب
وفي ختام قراءته، طرح بوش تساؤلات بشأن الجهات المستفيدة من استمرار الحرب، معتبراً أن المستفيد الأكبر هو "من يبيع السلاح".
وأشار إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا تحققان مكاسب مالية من خلال تزويد الدول الأوروبية بالأسلحة التي تُنقل لاحقاً إلى أوكرانيا.
وخلص إلى أن المشهد الحالي يعكس انتقال الحرب من مجرد مواجهة ميدانية داخل أوكرانيا إلى صراع مفتوح على توازنات الأمن الأوروبي والبحر الأسود، في ظل تصاعد الاتهامات، وتضارب الروايات، واستمرار محاولات توسيع نطاق المواجهة بين روسيا والغرب.