في ٢٠٢٤، وحينما هدد الحوثيون بقصف الرياض ردًا على قرارات البنك المركزي اليمني، استبعد السعوديون حدوث ذلك بناءً على اتفاق بكين وما شكله من ضمانات امنية ، لكن الصينيين نقلوا عن الايرانين رسالة صادمة إلى الرياض، تقول إنهم في حلٍّ من سلوك وكيلهم في اليمن، وأن على السعودية أن تضغط هي على حلفائها إذا أرادت منع عودة القتال.
وفي حرب ١٢ يومًا، قامت إيران بقصف قطر في مؤشر آخر على هشاشة الضمانات الأمنية بين ضفتي الخليج، وعدم جدية طهران في سياسة حسن الجوار. لكن دول المنطقة التمست العذر، واعتبرت ما حصل مسرحية عابرة لحفظ ماء الوجه الإيراني مقابل إعلان وقف إطلاق النار.
ومن أجل خفض التصعيد في المنطقة وكبح الهيمنة الإسرائيلية، استثمرت الرياض سياسيًا ودبلوماسيًا في تحريك الاتفاق النووي، وثني ترامب مرات عديدة عن خيار الحرب في ٢٠٢٥، أما القاهرة فقد رعت بنفسها اتفاقًا بين طهران ووكالة الطاقة الذرية.
فماذا كانت المحصلة النهائية لسياسة حسن الجوار؟
إيران، وبمنتهى التبجح، قررت قصف الجيران قبل الأعداء، وتجاوزت الأهداف العسكرية نحو الأصول المدنية، وآخرها الحي الدبلوماسي في الرياض، مركز صناعة السياسة الإقليمية.
وسواء ظلت الدول في حالة ضبط النفس، أو قررت الانخراط في المجهود الحربي المعادي لإيران، ففي الحالتين ستكون دول الخليج جزءًا من دوامة الاستنزاف الأمني والاقتصادي التي صممتها إيران كعقيدة دفاعية.
ويزداد العدوان الإيراني تعقيدًا، لأنه يتزامن مع تهديد آخر يتمثل في طموحات الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم؛ لذا قد يكون مكلفًا عربيًا الانخراط في تحالف إقليمي دولي مع تل أبيب، كما هو مكلف أيضًا استمرار السكوت عن أذى إيران.
إذن، كيف نحل هذه المعضلة؟
الجواب ببساطة: حسم المعركة في اليمن؛ فلقد دخلت السعودية في مصالحة مع إيران في ٢٠٢٣، وقررت وقف الحرب عبر خارطة الطريق المجحفة بحقها وحق حلفائها، من أجل سبب رئيسي: تحييد السلاح الحوثي العابر للحدود.
أما الآن، وقد صارت دول الخليج عرضةً للعدوان العابر للحدود دون حتى أن تكون طرفًا في الصراع؛ فما يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟!
لقد دفعت الدول العربية مقدمًا ثمن هذه الحرب، والآن عليها أن تتحرك لانتزاع جائزة تليق بحجم ما تعرضت له من أذى، وذلك لن يتحقق إلا بإنهاء التهديد الحوثي بشكل حاسم عبر عملية شاملة جوًا وبرًا وبحرًا، وبالتنسيق مع واشنطن.
هكذا تتم معاقبة إيران بما يصب في صالح الأمن الجماعي العربي طويل المدى، من خلال قطع يدها الطولى جنوب الجزيرة العربية.
وهكذا ستكون اليمن مدخلًا استراتيجيًا لترميم العلاقة السعودية الإماراتية المصرية، وسوف يساهم ذلك في إنهاء حالتي الفراغ والفوضى اللتين تسبب بهما الحوثيون جنوب البحر الأحمر، والتي استفادت منهما إسرائيل لتتمدد إقليميًا عبر ضفتي مضيق باب المندب.
بعبارة أوضح؛ اليمن هي معركة العرب لتحقيق أمنهم الجماعي، وهي بداية تحقيق الردع المزدوج ضد إيران وإسرائيل معًا، وهي الساحة الأمثل للاستفادة من نزعة ترامب الهجومية في المنطقة.
ولِمَ لا؟ فليكن الحسم في اليمن ساحة اختبار لمدى مصداقية المحور العربي الإسلامي، بمشاركة باكستان وتركيا، وذلك للرد على تحركات نتنياهو التي توعدت بتفكيك هذا المحور قبل تشكّله.