رغم انقطاعي عن الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع لأسباب خاصة، أحببت أن أعلّق على الجدل الذي أثير مؤخراً بشأن ظهور بعض السلاطين أو أحفاد السلاطين وأبناء الأسر الحاكمة التاريخية في الجنوب، وما رافق ذلك من نقاشات حادة بين مؤيد ومعارض.
البعض رأى في هذه العودة مؤشرات على مشروع سياسي جديد أو محاولة لإحياء مرحلة ما قبل ثورة 14 أكتوبر، فيما اعتبرها آخرون تناقضاً مع النظام الجمهوري ومكتسبات الثورة. وهناك أيضاً من يربطها بأدوار أو حسابات إقليمية. لكنني أعتقد أن التعامل مع هذه القضية يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والموضوعية، بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة.
أولاً، يجب التذكير بأن مسار إعادة الاعتبار لبعض المكونات الاجتماعية والتاريخية في الجنوب ليس أمراً جديداً أو طارئاً. فمن يتابع الميثاق الوطني الجنوبي (2023) وما تبعه من خطوات سياسية مثل قرار تشكيل لجنة تحضيرية لمجلس شيوخ الجنوب العربي في مارس 2025، يدرك أن هناك توجهاً واضحاً نحو معالجة أخطاء الماضي الجنوبي، وإشراك مختلف المكونات التي تعرضت للتهميش أو الإقصاء في مراحل سابقة، بما فيها بعض الأسر السلطانية والمشيخية.
ثانياً، ليست كل السلطنات الجنوبية مجرد صناعة بريطانية كما يعتقد البعض. كثير منها كان قائماً قبل الاستعمار البريطاني بوقت طويل، وبعضها يمتلك جذوراً تاريخية واجتماعية عميقة في مناطقه. بل إن بعض السلاطين كانت لهم مواقف ورؤى مختلفة تجاه مستقبل الجنوب وخروج الاستعمار، لكن الرؤية التي انتصرت في ذلك الوقت كانت رؤية أخرى، وهي التي رسمت شكل الدولة بعد الاستقلال.
وانتصار مشروع سياسي في مرحلة تاريخية لا يعني بالضرورة أن كل المشاريع الأخرى كانت خيانة أو أن كل الشخصيات المرتبطة بها تستحق الشطب من الذاكرة الوطنية. كما أن الدفاع عن مكتسبات أكتوبر لا يتعارض مع الاعتراف بأن بعض الأسر تعرضت لظلم أو مصادرة أو إقصاء يستحق المراجعة التاريخية والإنصاف المعنوي على الأقل.
استمعت مؤخراً إلى خطاب السلطان إسكندر بن هرهرة والسلطان نواف العفيفي في مهرجان القارة التراثي بيافع، ووجدت فيه تأكيداً على قضية الجنوب ووحدة الصف الجنوبي ومساندة المشروع الوطني الجنوبي، ولم أجد فيه دعوة إلى استعادة السلطنات أو إعادة أنظمة الحكم القديمة كما يصور البعض.
وهنا أصل إلى النقطة الأهم.
علينا في الجنوب أن نتوقف عن خوض معارك وهمية، وأن نتوقف عن القتال ضد أشباح لا وجود لها إلا في مخاوف البعض. فكما كان دون كيشوت يقاتل طواحين الهواء متوهماً أنها أعداء حقيقيون، يبدو أن بعضنا اليوم منشغل بمعارك مشابهة.
لن تعود عجلة التاريخ إلى الوراء، ولن يحكم الجنوب سلاطين وإمارات كما كان الحال قبل ستة عقود. هذا غير واقعي سياسياً وغير مقبول مجتمعياً. الجنوب اليوم تغير، والعالم تغير، وطبيعة الدولة التي يتطلع إليها الجنوبيون تغيرت أيضاً.
بل إن خطوط الاصطفاف القائمة اليوم تجاوزت الانقسامات السلطانية القديمة بمراحل. نحن نتحدث اليوم عن محافظات ومراكز نفوذ وقوى سياسية ومشاريع تنموية وإدارية، بل وعن دولة جنوبية حديثة ذات طابع فيدرالي يُفترض أن تقوم على المؤسسات والمواطنة والشراكة السياسية، لا على أنظمة الحكم الوراثية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيعود السلاطين للحكم؟
لأن الإجابة ببساطة: لا.
السؤال الأهم هو: كيف نبني جنوباً يتسع للجميع؟ وكيف نعالج أخطاء الماضي دون أن نصنع أخطاء جديدة؟ وكيف نستفيد من الرموز الاجتماعية والتاريخية لكل منطقة في تعزيز التماسك الوطني بدلاً من تحويلها إلى أسباب جديدة للانقسام؟
فالجنوب اليوم بحاجة إلى توسيع دائرة الشراكة، لا إلى إعادة فتح معارك الماضي. وبحاجة إلى التركيز على تحديات الحاضر والمستقبل أكثر من الانشغال بصراعات حُسمت قبل عقود طويلة.
إن الأوطان القوية لا تُبنى على اجتثاث الذاكرة، بل على فهمها والتصالح معها، ثم الانطلاق نحو المستقبل بثقة أكبر ووحدة أوسع.
إن الجنوب الذي ننشده يجب أن يكون قادراً على استيعاب الجميع: أبناء الثورة، وأبناء القبائل، وأبناء السلاطين، وأبناء الفلاحين، وأبناء المدن، وأبناء الريف، دون تمييز أو إقصاء.