تتجه الأنظار الدولية إلى تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وسط تصاعد المخاوف من تجدد العمليات العسكرية واتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها قطر لاحتواء الأزمة، في وقت لم تحسم فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارها بشأن شن هجمات جديدة على إيران.
وبحسب تقارير نشرتها وكالات ومؤسسات إعلامية دولية، بينها رويترز وأسوشيتد برس، فإن الأيام المقبلة قد تشهد منعطفاً مهماً في مسار المواجهة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر الجاري، وسط تحذيرات من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة، ويهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
تصاعد التحركات العسكرية ومخاوف من استئناف الضربات
أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن مسؤولين أمريكيين حذروا عدداً من دول الشرق الأوسط وحلفاء واشنطن من ضرورة الاستعداد لاحتمال استئناف الضربات العسكرية ضد إيران بعد الانتخابات الأمريكية، إلى جانب الاستعداد لاحتمال رد إيراني قد يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في المنطقة.
ونقلت الوكالة عن دبلوماسيين مطلعين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن تنفيذ هجمات جديدة، رغم تكرار حديثه عن احتمال استئناف العمليات العسكرية. كما أشارت إلى أن أي جولة جديدة من الضربات قد تستمر عدة أيام، بينما قد يؤدي الرد الإيراني أو تحرك الجماعات المتحالفة مع طهران إلى إطالة أمد المواجهة.
وفي السياق ذاته، أشارت التقارير إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، مع تحركات بحرية وانتشار قوات إضافية، في ظل استمرار حالة التأهب الإقليمي. غير أن توقيت أي عملية محتملة وحجمها والأهداف التي قد تستهدفها لا تزال أموراً غير محسومة حتى الآن.
وساطة قطرية واتصالات لتجنب انفجار المواجهة
في المقابل، كشفت وكالة رويترز عن إجراء مفاوضين إيرانيين محادثات مع وسطاء قطريين في الدوحة، يوم السبت 31 أكتوبر، لبحث سبل الخروج من الحرب وتجنب تجدد القتال، وذلك بعد محادثات استمرت أكثر من 12 ساعة بين مسؤولين إيرانيين وقطريين في طهران.
ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع أن الاتصالات تجري بالتنسيق مع واشنطن، في مسعى لتهيئة الظروف أمام استئناف المسار الدبلوماسي والتوصل إلى تفاهمات تحد من احتمالات التصعيد.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن ترامب لم يحسم قراره بشأن شن ضربات جديدة على إيران، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي يفضل تسوية النزاع عبر الوسائل الدبلوماسية.
وتعكس هذه التحركات وجود مسارين متوازيين؛ أولهما الاستعداد لاحتمال عودة العمليات العسكرية، وثانيهما محاولة إيجاد مخرج سياسي يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
طهران تلوّح بالرد على أي هجوم جديد
على الجانب الإيراني، أفادت التقارير بأن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أصدر توجيهات للقوات المسلحة بالاستعداد للرد على أي هجوم، فيما أكدت طهران أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تحرك عسكري يستهدفها.
وتشير هذه المواقف إلى أن أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية جديدة قد تفتح الباب أمام ردود متبادلة تتجاوز الأراضي الإيرانية، لتشمل قواعد ومصالح عسكرية أمريكية وأهدافاً إسرائيلية في المنطقة، وفقاً للتحذيرات والتصريحات المنقولة عن الجانب الإيراني.
وفي تطور منفصل، نقلت رويترز عن وسائل إعلام إيرانية رسمية أن مسؤولاً محلياً أفاد بتعرض قاربَي صيد قرب جزيرة قشم لهجوم أمريكي، ما أسفر عن إصابة صياد واحد. ولم تؤكد واشنطن الواقعة فور نشر التقرير، كما لم يصدر تعليق فوري من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية، ولذلك لا يزال هذا الادعاء بحاجة إلى تأكيد مستقل.
مضيق هرمز في قلب المواجهة ومخاوف على أسواق الطاقة
يمثل مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق في الأزمة الراهنة، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية في حركة نقل النفط والغاز عالمياً. وأي اضطراب واسع في الملاحة عبر المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي أحدث التطورات، نقلت قناة الجزيرة عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قوله إن طهران تجري محادثات مع وسطاء قطريين بشأن خطة لإعادة فتح المضيق خلال يومين، إذا نفذت الولايات المتحدة الشروط الإيرانية المطروحة. ويظل هذا الطرح مرتبطاً بالمفاوضات ومواقف الأطراف المعنية، ولا يعني أن إعادة فتح المضيق قد أُنجزت بالفعل.
وتزيد المخاوف من أن يؤدي فشل المفاوضات أو استئناف الضربات إلى استخدام الملاحة البحرية وأمن الطاقة أوراق ضغط متبادلة، بما يرفع مخاطر اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز.
ما السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب؟
في ضوء التطورات الراهنة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات تمثل تقديرات تحليلية وليست توقعات مؤكدة لما سيحدث.
--السيناريو الأول: احتواء الأزمة عبر التفاوض.-- قد تفضي الوساطة القطرية والاتصالات غير المباشرة إلى تفاهمات مرحلية تشمل خفض التصعيد البحري، وإعادة تنظيم حركة الملاحة، ووضع ترتيبات لوقف الهجمات، بما يتيح استئناف المفاوضات حول القضايا العالقة بين واشنطن وطهران.
--السيناريو الثاني: ضربات عسكرية محدودة ومتبادلة.-- قد تلجأ الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى تنفيذ عمليات تستهدف مواقع أو قدرات عسكرية إيرانية، إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية. وفي هذه الحالة، قد ترد إيران بضربات مضادة أو تحركات بحرية وعسكرية، مع محاولة الأطراف إبقاء المواجهة ضمن نطاق لا يتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
--السيناريو الثالث: اتساع المواجهة إقليمياً.-- يمثل هذا السيناريو الأكثر خطورة، إذ قد يؤدي سقوط ضحايا بأعداد كبيرة أو استهداف منشآت حيوية أو توسع الهجمات البحرية إلى سلسلة من الردود المتبادلة تشمل عدة دول في المنطقة، وتزيد المخاطر على القواعد العسكرية والموانئ والمنشآت النفطية وخطوط الملاحة الدولية.
هل تندلع حرب واسعة بعد الانتخابات الأمريكية؟
لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن حرباً واسعة ستندلع عقب الانتخابات الأمريكية، رغم التحذيرات من احتمال استئناف الضربات. فوجود استعدادات عسكرية لا يعني بالضرورة صدور قرار بالهجوم، كما أن استمرار الاتصالات الدبلوماسية يشير إلى أن الخيارات السياسية لا تزال مطروحة.
وتبقى طبيعة القرار الأمريكي مرتبطة بتقديرات البيت الأبيض العسكرية والسياسية، ومدى استعداد إيران لتقديم تنازلات، وموقف إسرائيل، وقدرة الوسطاء الإقليميين على تقريب وجهات النظر. كما أن حسابات الانتخابات الأمريكية قد تؤثر في توقيت القرارات، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مسار الحرب.
خلاصة المشهد
تدخل المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مرحلة حساسة تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية، بينما تظل الملاحة في مضيق هرمز وأمن المنشآت الحيوية وأسواق الطاقة من أبرز الملفات المعرضة للتأثر بأي تصعيد جديد.
وبين احتمال التوصل إلى تفاهمات مرحلية وخطر استئناف الضربات، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة. وحتى الآن، لا يوجد إعلان موثوق يؤكد اتخاذ قرار نهائي بشن هجوم أمريكي جديد على إيران، كما لا يمكن اعتبار السيناريوهات المطروحة للحرب أمراً محسوماً قبل اتضاح نتائج الاتصالات الدبلوماسية ومواقف الأطراف المعنية.