آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:20ص
كتابات وآراء

تعز والصبيحة.. صمود لا ينحني ووفاء لا يُنسى

تعز والصبيحة.. صمود لا ينحني ووفاء لا يُنسى
قبل ساعة
- بقلم: د. وهيب مهدي عزيبان




ليست تعز والصبيحة مجرد جبهات قتال على خارطة اليمن، بل حكاية صمودٍ طويل، وتضحياتٍ جسيمة، وكرامةٍ ترفض الانكسار أمام آلة الحرب ومشروعات الهيمنة. فمنذ سنوات، تواجه تعز حصارًا ومعاناةً متواصلة، فيما تدفع الصبيحة ثمنًا باهظًا في معركة الدفاع عن الأرض والإنسان، في مشهد يجسد إصرار اليمنيين على مواجهة المشروع الحوثي الذي لم يكتفِ بالحرب، بل امتد أثره إلى البيوت والأحياء وحياة المدنيين.أخبار سياسية



في تعز، يقف جبل صبر شاهدًا على سنوات من الصمود، كما تقف مناطق المواجهة في محيط المطار القديم وجبل هان وحدائق الصالح والضباب والجبل الأسود غربًا، وصبر الموادم والأقروض والمسراخ والشقب جنوبًا، وغيرها من المواقع، شاهدةً على تضحيات الرجال ومعاناة السكان. وفي قرية كحلان والمناطق المجاورة، كما في غيرها من المناطق، يعيش المواطنون تحت وطأة الخوف والقصف وشحّ مقومات الحياة، بينما تتطلع الأسر إلى يومٍ تنتهي فيه المعاناة وتُفتح الطرق ويعود الأمن والاستقرار.



ومع استمرار هذه المعاناة، يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: لماذا ظلت بعض الجبهات تراوح مكانها كل هذه السنوات؟ وما الذي يمنع تحريكها بما يخفف الحصار عن تعز وينهي معاناة أهلها؟ إن أبناء المدينة الذين صبروا وضحّوا يستحقون إجابات واضحة، كما يستحقون رؤية خطوات عملية تنقلهم من دائرة الانتظار إلى أفق التحرير واستعادة الحياة الطبيعية. فالتضحيات الكبيرة لا ينبغي أن تبقى رهينة الجمود، والمسؤولية الوطنية تقتضي مراجعة الأداء، وتحديد مواطن الخلل، واتخاذ قرارات شجاعة تعيد الأمل إلى الناس.



ولا تقتصر المقاومة على حمل السلاح في خطوط المواجهة؛ فهناك جبهات أخرى لا تقل أهمية، تتقدمها المرأة التي تساند المقاتلين، والمواطن الذي يقدم ما يستطيع من غذاء ودواء، والناشط الذي يوثق معاناة الناس، والصحفي الذي يكشف التضليل وينقل الحقيقة. إن صمود المجتمع بكل فئاته هو السند الحقيقي للجبهات، وهو ما يجعل محاولات إخضاع الناس أكثر صعوبة، مهما اشتدت الحرب وتعددت وسائل الضغط.



ومن أكثر المشاهد إيلامًا تلك الصورة التي تختصر مأساة تعز، حين تضطر أمٌّ إلى حمل جثمان ابنتها على ظهرها فوق جبل صبر، بعد أن فقدت ابنتها ووالدها في القصف المنسوب إلى مليشيات الحوثي. إنها ليست مجرد حكاية موجعة، بل صورة تختزل حجم الفقد الذي يعيشه المدنيون، وتذكير بأن وراء كل خبر عن القصف أسرةً مكلومة، وأحلامًا انطفأت، وحياةً تبدلت إلى حزنٍ لا يُوصف. فهل يدرك من يواصلون الحرب أن المدنيين ليسوا أدوات ضغط، وأن دماء الأبرياء ليست وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية؟اقرأ في السياسة



وفي الصبيحة، تتواصل حكاية الصمود على امتداد مناطق رأس العارة وكهبوب وباب المندب والمضاربة والأغبرة والمحاولة والوازعية، حيث يواجه أبناء المنطقة تهديدات متواصلة تستهدف أمنهم واستقرارهم. وتزداد خطورة المشهد حين تُستخدم الطائرات المسيّرة والصواريخ لاستهداف المدنيين والمنازل، في محاولاتٍ لترهيب السكان ودفعهم إلى النزوح وترك مناطقهم. كما أن تفجير المنازل، ومنها منزل الشيخ عبدالربه المحولي، يمثل رسالة تهديد تتجاوز صاحب المنزل إلى المجتمع كله، ومحاولةً لبث الخوف وإضعاف إرادة المقاومة.



لكن من يراهن على أن هدم المنازل سيهدم العزيمة، أو أن ترويع السكان سيكسر إرادتهم، يخطئ قراءة طبيعة هذه الأرض وأهلها. فالبيوت قد تُدمَّر، والممتلكات قد تُنهب، والأسر قد تُهجَّر قسرًا، لكن ذلك لا يعني أن أصحاب الأرض سيتخلون عن حقهم في الدفاع عنها. إن الاعتداء على المنازل لا يصنع نصرًا، بل يترك جراحًا عميقة ويزيد مشاعر الرفض والإصرار على استعادة الأمن والكرامة.



إن تعز والصبيحة ليستا وحدهما في هذه المعركة؛ فالمعركة في جوهرها تتصل بمستقبل اليمن، وبحق أبنائه في دولة تحكمها المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون، بعيدًا عن السلاح الذي يفرض الأمر الواقع، أو الأفكار التي تصادر حقوق الآخرين. ولا يمكن أن يتحقق السلام الحقيقي عبر إخضاع الناس أو تدمير منازلهم، بل عبر إنهاء أسباب الحرب، واحترام إرادة المواطنين، وضمان حقوقهم، وبناء مؤسسات دولة قادرة على حماية الجميع دون تمييز.أخبار سياسية



وفي خضم هذه المواجهة، تبرز مسؤولية القوى الوطنية والجهات المعنية في تقديم الدعم للمقاتلين والجرحى وأسر الشهداء، وتوفير الاحتياجات الإنسانية للمدنيين، والعمل الجاد على تخفيف الحصار وفتح الطرق وتأمين المناطق المتضررة. كما تبرز الحاجة إلى خطاب مسؤول يجمع ولا يفرق، ويعزز الصمود دون أن يغفل معاناة الناس، ويطالب بالمحاسبة والإصلاح دون أن يستند إلى اتهامات غير مثبتة.



وستبقى الصبيحة عنوانًا للصمود، وتعز مدرسةً في الإصرار، وجبل صبر شاهدًا على إرادة لا تنكسر مهما اشتدت المحن. فمهما طال أمد الحرب وتضاعفت الجراح، ستظل إرادة الشعوب أقوى من محاولات إخضاعها، وسيبقى الأمل في وطنٍ آمنٍ تسوده العدالة، وتصان فيه الكرامة والحقوق.