آخر تحديث :السبت-26 سبتمبر 2026-11:41م
أخبار وتقارير

حشد سياسي وفقهي شامل: ما وراء إعلان التعبئة العامة وفتوى المرابطة في اليمن؟

حشد سياسي وفقهي شامل: ما وراء إعلان التعبئة العامة وفتوى المرابطة في اليمن؟
قبل ساعة
- خاص: الواجهة العربية

شهدت الساحة اليمنية والإقليمية تحولاً بارزاً تمثل في صدور ثلاثة مواقف متزامنة ومتكاملة من أعلى المستويات السياسية والدينية في اليمن والمملكة العربية السعودية، وجاء هذا التحرك عبر بيان صادر عن سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، وخطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بمناسبة الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر، يليه توجيه رسمي عاجل من وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية لتعميم مضامين التعبئة العامة.

يؤشر هذا التناغم الصريح بين الخطاب السياسي والشرعي والمؤسسي إلى بدء مرحلة جديدة في التعاطي مع الأزمة اليمنية، تضع حداً لخيارات الهدنة غير المعلنة وتنتقل بالصراع نحو الحشد الشامل.


تفكيك المواقف الثلاثة: قراءة في المضمون والترابط


تتكامل المواقف الصادرة لتشكل استراتيجية موحدة ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية:

- البعد الشرعي والفقهي (بيان مفتي المملكة): منح بيان الشيخ صالح الفوزان الشرعية الدينية الكاملة للقتال والمرابطة على الحدود وفي الجبهات، معتبراً الدفاع عن المملكة ودعم الشرعية في اليمن من أعظم الواجبات والقربات. ووجه المفتي خطابه المباشر إلى قوات التحالف والمرابطين، مؤطراً المواجهة مع جماعة الحوثي في قالب عقدي وسياسي واضحة معالمه، بوصفها "فرقة ضالة" و"دستيسة أعداء" يجب التصدي لها لإعادة الاستقرار لليمن وللمنطقة.


- البعد السياسي والعسكري (خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي): أعلن الدكتور رشاد العليمي رسمياً حالة "التعبئة العامة والنفير الوطني"، داعياً كافة القوى الشعبية للالتفاف حول القوات المسلحة، وفي الوقت ذاته، طرح العليمي معادلة "الجزرة والعصا" عبر إعلان عفو شامل لكل من يترك القتال في صفوف الحوثيين ويستفيد من "العودة الآمنة"، مع التعهد بتسوية أوضاعهم المادية والوظيفية.


- البعد التنفيذي والجماهيري (توجيه وزارة الأوقاف اليمنية): جاء توجيه وزارة الأوقاف في عدن ليترجم القرارات السياسية والفتوى الشرعية إلى تحرك ميداني عبر منابر المساجد والبرامج الإرشادية، لرفع الوعي بخطورة المشروع الحوثي، وحث المواطنين على الاستجابة للنفير العام، ودعوة المغرر بهم للاستفادة من فرصة العفو.


دلالات التوقيت: لماذا الآن برغم استمرار الحرب منذ 2015؟


رغم أن الحرب في اليمن دخلت عامها الحادي عشر دون حسم عسكري كامل أو سلام مستدام، فإن صدور هذه الإعلانات في سبتمبر 2026 يحمل دلالات استراتيجية عميقة:

- رمزية المناسبة الوطنية: استغل مجلس القيادة الرئاسي ذكرى ثورة 26 سبتمبر (التي أطاحت بنظام الإمامة عام 1962) للربط بين "الإمامة التاريخية" والمشروع الحوثي الحالي، لإعادة شحن الذاكرة الوطنية اليمنية واستنفار الرفض الشعبي ضد محاولات إعادة فرض "الحق الإلهي".

- استنفاد فرص السلام والتنازلات: أكد خطاب العليمي صراحة أن سنوات تقديم التنازلات واستمرار فتح ميناء الحديدة ومطار صنعاء لم تقابلها الجماعة إلا بالاستغلال العسكري والتصعيد في تعز، مأرب، الجوف، وشبوة، فضلاً عن تهديد الملاحة البحرية. والتوقيت يعكس قناعة التحالف والحكومة اليمنية بأن مسار التهدئة التفاوضية قد وصل إلى طريق مسدود.

- إعادة ترتيب البيت الداخلي: يأتي النفير العام بالتزامن مع التزام رسمي برعاية حوار "جنوبي - جنوبي" برعاية سعودية لإغلاق ملف الخلافات بين المكونات المناهضة للحوثيين، وتوحيد الجبهة العسكرية والسياسية تحت مظلة واحدة قبل انطلاق أي عمل ميداني واسع.


كيف يفسر رجال الدين والعلماء هذه الإعلانات؟


يرى العلماء ورجال الدين في هذه البيانات غطاءً شرعياً حاسماً يعيد ضبط الرواية الفكرية للدفاع عن الدولة، وتتلخص رؤيتهم في المحاور التالية:

- تأصيل مفهوم "المرابطة" و"الجهاد الدستوري": يُفسر العلماء بيان المفتي وتوجيهات الأوقاف بأن القتال إلى جانب مؤسسات الدولة الشرعية ينضوي تحت باب "الجهاد الشرعي" لحماية الأنفس والأعراض والمقدسات، وليس مجرد صراع سياسي على السلطة.

- إسقاط الذرائع العقائدية للحوثيين: تركز الخطب والبيانات على تعرية المنطلق الفكري لجماعة الحوثي، ووصمها بـ"الانحراف العقدي" والاعتداء على المساجد والتكفير، مما يسحب منها ادعاء تمثيل الإسلام أو الدفاع عن الأمة.

- إبراز المقصد الشرعي في العفو وحقن الدماء: ينظر الفُقهاء إلى مبادرة العفو الشامل التي أعلنها العليمي كدليل على أن هدف الدولة ليس الانتقام أو الثأر، بل استعادة الاستقرار وإقامة العدل، وهو ما يمنح المنشقين مساغاً شرعياً وأخلاقياً لإلقاء السلاح.


التأثيرات المتوقعة على اليمن والمنطقة


من المتوقع أن تسفر هذه التطورات المترابطة عن انعكاسات ميدانية وسياسية واسعة النطاق:

- ميدانياً (تغيير خريطة المواجهات): تسعى التعبئة العامة وفتح باب النفير عبر القنوات الرسمية إلى رفد الجبهات بالطاقات البشرية وتجاوز حالة الركود. كما أن تقديم العفو المالي والوظيفي قد يحدث اختراقات في صفوف القوات التابعة للحوثيين، لا سيما بين أبناء القبائل الذين أرهقتهم ظروف الحرب وتوقف الرواتب.

- سياسياً (رفع التكلفة على الحوثيين): يضع هذا الحشد الجماعة أمام خيارين: إما القبول بسلام حقيقي يلغي مشروع الانقلاب ويحفظ حقوق الجميع، أو مواجهة حرب استنزاف شاملة ومُغطاة بشرعية سياسية ودينية وإقليمية متكاملة.

- إقليمياً (أمن الخليج والملاحة الدولية): يبعث الدعم السعودي الصريح وإسناد التحالف رسالة قاطعة مفادها أن أمن الحدود السعودية وسلامة الممرات المائية في البحر الأحمر والباب المندب استحقاق إقليمي ودولي لا يقبل المساومة، وأن استعادة مؤسسات الدولة اليمنية بات ضرورة ملحة لاستقرار الشرق الأوسط بكامله.