ما يجري اليوم في جبهات الساحل الغربي وشبوة وغيرها من ميادين المواجهة، وبإسناد من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، لا يمكن اختزاله في شعارات عابرة أو حسابات الأشخاص والجماعات والمصالح الضيقة. إنها معركة كرامة ووجود، يقدم فيها الرجال أرواحهم ودماءهم دفاعا عن الأرض والسيادة، وفي سبيل استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء سنوات الحرب والمعاناة.
هذه التضحيات لا ينبغي أن تذهب لخدمة جماعة أو مشروع سياسي بعينه، فالرجال في الميدان يقفون في مواجهة مشروع سلالي مسلح مرتبط بإيران، فرض بقوة السلاح واقعا أرهق اليمنيين، ومزق مؤسسات الدولة، وعمق المأساة الإنسانية والاقتصادية. ومن هنا، فإن المعركة أكبر من أسماء الأشخاص والمكونات، وأسمى من الحسابات السياسية الضيقة.
لقد أنهكت الحرب شعبا يستحق أن يعيش، والانتصار الحقيقي في هذه المعركة لا يكتمل باستعادة الأرض وحدها، بل باستعادة الدولة على كل شبر، وعودة مؤسساتها إلى أداء وظائفها، وترسيخ سيادة القانون، واستعادة ثقة المواطن بأن وراءه دولة تحميه وتصون حقوقه وكرامته، وتفتح أمام الأجيال القادمة أبواب الحياة بعيدا عن الحرب والفقر والنزوح والخوف.
كما أن الانتصار في هذه المعركة لا يمثل مكسبا لليمن وحده، بل يمتد أثره إلى أمن واستقرار المنطقة والأمن القومي للأشقاء، وإلى حماية الملاحة البحرية وتأمين الممرات المائية الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. فاستقرار اليمن واستعادة دولته وسيادته يشكلان ركيزة مهمة لأمن المنطقة وسلامة خطوط التجارة والإمداد، ويحدان من المخاطر التي تهدد حركة الملاحة وترفع تكاليف النقل والتأمين وتلقي بتداعياتها على الاقتصاد العالمي.
ومهما اشتدت حملات التشكيك والتخوين، ومهما بلغت حدة الخصومات، فإن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى معول يهدم ما تصنعه التضحيات، أو سببا في تشتيت البوصلة عن المعركة الأساسية. فالمشروع السلالي المسلح لا يواجه بمزيد من الانقسام، والدولة لا تستعاد بالتخوين المتبادل، وإنما بإرادة وطنية صلبة وصفوف متماسكة وجبهة داخلية تدرك حجم المسؤولية.
إن استعادة الدولة والسيادة تظل الهدف الذي ينبغي أن تلتقي عنده الجهود والمواقف، بعيدا عن مصالح الأشخاص والجماعات والمشاريع الضيقة. وما يجمع اليمنيين في هذه المعركة أكبر من خلافات السياسة، والمسؤولية تقتضي الحفاظ على التضحيات وتوجيهها نحو بناء مؤسسات وطنية فاعلة، تعيد للقانون مكانته وللدولة هيبتها وتحفظ للمواطن أمنه وحقوقه.
وفي هذه المعركة، يستحق موقف الأشقاء ما يليق به من تقدير وعرفان. فقد وقفت المملكة العربية السعودية، في إطار تحالف دعم الشرعية، إلى جانب اليمن واليمنيين في مراحل بالغة الصعوبة، وقدمت دعما وإسنادا امتد إلى الجوانب العسكرية والأمنية والإنسانية والتنموية والاقتصادية، وأسهمت في مساندة الشعب اليمني والتخفيف من معاناته.
إن الوفاء للشهداء وللرجال المرابطين في الميدان، والعرفان للأشقاء الذين وقفوا إلى جانب اليمن، لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالحفاظ على الهدف الذي من أجله قدمت هذه التضحيات: أن تعود الدولة، وتستعاد السيادة، وتنتهي دوامة الحرب، ويجد اليمني مكانه في وطن آمن ومستقر، وفي محيطه العربي الذي كان وسيظل امتداده وعمقه الطبيعي.
واليوم، نحن بحاجة إلى رص الصفوف وتصويب البوصلة وتجاوز الحسابات الضيقة وإعلاء المصلحة الوطنية. فاليمن لا يحتاج إلى مشاريع تتقاسم ما تبقى منه، بل إلى دولة تجمع أبناءه وتصون سيادته وكرامة مواطنيه. إنها معركة دولة وسيادة وكرامة، وما يقدم فيها من تضحيات يجب أن يقود إلى وطن يستعيد قراره ومؤسساته، وإلى سلام ينهي أسباب الحرب ولا يعيد إنتاجها.
المجد والخلود للشهداء، والشفاء للجرحى، والتحية للأبطال في ميادين الشرف والكرامة، والعرفان للأشقاء الذين وقفوا إلى جانب اليمن.