تكشف شحنات تجارية صينية ضُبطت في طريقها إلى مناطق تسيطر عليها ميليشيا الحوثيون في اليمن عن تحول متزايد في قدرات الجماعة العسكرية، من الاعتماد على استيراد أسلحة جاهزة إلى امتلاك مكونات ومعدات تتيح تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة محلياً، مستفيدة من سلع تجارية مزدوجة الاستخدام يصعب إخضاعها بالكامل لقيود التصدير والعقوبات.
وأظهر تحقيق نشرته وكالة "بلومبيرغ" أن فحص 4 حاويات مرتبطة بشبكة استيراد يمنية كشف عن معدات صناعية ومواد كيميائية وأنظمة تحكم وأجزاء يشتبه في استخدامها لتجميع صواريخ وطائرات مسيّرة، إلى جانب معدات يمكن توظيفها في حفر الأنفاق، في مؤشر على اتساع البنية الصناعية العسكرية للحوثيين.
بدأت خيوط القضية داخل مستودع في ميناء عدن، حيث فحص خبراء أسلحة في يوليو/تموز الماضي محتويات حاوية كانت متجهة إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين. ووفق "بلومبيرغ"، ضمت الشحنة أجزاء تشبه زعانف خلفية ومكونات مستخدمة في صواريخ باليستية إيرانية، إضافة إلى راتنج الفينول المقاوم للحرارة، وهو مادة تدخل في صناعات من بينها إنتاج الصواريخ.
وقال فواز البسيسي، مدير عام إدارة المنافذ البرية والبحرية والجوية في عدن، التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، إن طبيعة الشحنة بدت مختلفة عن شحنات سابقة منذ اللحظة الأولى لفحصها.
من استيراد السلاح إلى تصنيعه
تكتسب الشحنات أهمية تتجاوز محتوياتها منفردة، إذ يرى خبراء تحدثوا إلى "بلومبيرغ" أنها تقدم مؤشرات إضافية إلى تطور قدرة الحوثيين على تصنيع أجزاء من منظوماتهم العسكرية داخل اليمن، بعدما اعتمدوا لسنوات بصورة كبيرة على الدعم الإيراني والأسلحة والمكونات القادمة من الخارج.
وبحسب التحقيق، بدأت عملية تعقب إحدى الحاويات قبل 9 أشهر من فحصها، بعد معلومات استخباراتية أمريكية طلبت من السلطات اليمنية مراقبة شحنة مرتبطة برجل الأعمال اليمني فارس المؤيد والبحث تحديداً عن راتنج الفينول.
وكانت الحاوية على متن سفينة تجارية متجهة إلى الحديدة عندما صادرتها السلطات اليمنية لدى وصول السفينة إلى عدن في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وقاد اكتشافها لاحقاً إلى 3 حاويات أخرى مرتبطة بالمستورد نفسه، كانت وصلت إلى عدن بعد تغيير مسارها إثر الأضرار التي لحقت بميناء الحديدة جراء ضربات إسرائيلية.
وقال البسيسي إن المكونات وُزعت عمداً بين أربع حاويات بطريقة تجعل اكتشاف طبيعتها أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن الفحص كشف أجزاء يشتبه في أنها لصواريخ وأنظمة تحكم ومعدات إطلاق.
كما تضمنت الشحنات آلات تعمل بالتحكم الحاسوبي وقادرة على تصنيع قطع دقيقة يمكن استخدامها في الصواريخ والمسيّرات، ومحركات ثنائية الأسطوانات من النوع المستخدم في بعض الطائرات المسيّرة، فضلاً عن معدات للحفر والتهوية يمكن استخدامها في إنشاء منشآت وأنفاق تحت الأرض.
وكتب البسيسي في تقرير إلى مسؤوليه أن فرق التفتيش عثرت على ما وصفه بـ"هيكل صاروخي كامل" موزع بين 3 حاويات.
معضلة الاستخدام المزدوج
لكن القضية أكثر تعقيداً من مجرد تحديد بلد منشأ المكونات. فالكثير من المعدات والمواد المضبوطة لها استخدامات مدنية مشروعة إلى جانب التطبيقات العسكرية، ولذلك لا يمثل تداولها في حد ذاته بالضرورة انتهاكاً لحظر الأسلحة المفروض على الحوثيين.
وأكدت "بلومبيرغ" أنها لم تجد دليلاً على أن الشركات الصينية التي صنعت أو باعت المنتجات كانت على علم بوجهتها النهائية أو باستخدامها المحتمل في تصنيع الأسلحة.
وقال هنري تومسون، خبير الأسلحة والعضو السابق في فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، إن السؤال الذي لا تزال إجابته غير معروفة هو ما إذا كانت الورش الهندسية الصينية تدرك أنها تنتج مكونات قد ينتهي بها المطاف في صناعة الصواريخ.
وترفض بكين الاتهامات الأمريكية بشأن دور الشركات الصينية في إمداد شبكات مرتبطة بإيران والحوثيين بمواد حساسة. وقالت وزارة الخارجية الصينية لـ"بلومبيرغ" إن الصين تنفذ قرارات مجلس الأمن وتلتزم بمسؤولياتها الدولية، فيما سبق أن أكدت أن تعاونها مع إيران قانوني بموجب القانون الدولي.
وفي المقابل، قالت الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن في يوليو/تموز إن أكثر من 70% من المواد المحظورة أو المقيدة ذات الاستخدام المزدوج التي ضُبطت بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026 كان منشؤها الصين، مستندة إلى بيانات جهة أممية تراقب الشحنات إلى اليمن. ورفض ممثل الصين في الاجتماع ما وصفه باتهامات أمريكية لا أساس لها.
شبكة توريد تمتد إلى الصين
ويشير تحقيق "بلومبيرغ" إلى أن العلاقات التجارية الممتدة منذ عقود بين اليمن ومراكز التصنيع الصينية ساعدت في بناء شبكة واسعة من التجار والوسطاء القادرين على شراء المنتجات وشحنها عبر جيبوتي إلى اليمن.
وتظهر سجلات الشحن والمصادرة التي اطلعت عليها الوكالة عشرات الحاويات المسجلة ضمن 41 بوليصة شحن من مصدرين صينيين، كثير منهم في مدينة غوانغجو. وفي 25 حالة، تغير اسم المستورد اليمني في وثائق الشحن أثناء وجود البضاعة في الطريق، وهو نمط تقول وحدة مكافحة الإرهاب في عدن إنه استُخدم لإخفاء الشركات المرتبطة بالحوثيين.
وتخضع البضائع المتجهة إلى الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين عادة للتفتيش في جيبوتي ضمن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش الخاصة باليمن، التي أنشئت عام 2016 لتسهيل دخول السلع التجارية مع مراقبة الالتزام بحظر الأسلحة. لكن صلاحيات الآلية محدودة، إذ تستطيع فحص الشحنات والإبلاغ عن المخالفات، لكنها لا تملك صلاحية مصادرة البضائع.
سوق تجارية توفر قطع المسيّرات
وتبرز سهولة الحصول على المكونات المدنية تحدياً إضافياً أمام جهود منع الحوثيين من تطوير قدراتهم. ووفق "بلومبيرغ"، يمكن شراء العديد من القطع اللازمة لبناء طائرة مسيّرة من طراز "قاصف 2 كي"، وهي النسخة الحوثية من "أبابيل تي" الإيرانية، عبر منصات التجارة الإلكترونية الصينية.
وتشمل القائمة محركات ووحدات تحديد المواقع وهوائيات وأجهزة تحكم في الطيران وبطاريات ومواد من الألياف الزجاجية، وهي منتجات تمتلك استخدامات مدنية واسعة.
وقالت منصة "علي بابا" إن سياستها تحظر على البائعين عرض الطائرات العسكرية المسيّرة والمواد مزدوجة الاستخدام، وإنها تطبق إجراءات لمنع إساءة استخدام المنتجات المدنية لأغراض غير مصرح بها.
ويقول بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد في جامعة كولومبيا الذي قاد دراسة حديثة حول تصنيع الحوثيين للأسلحة، إن التحول في الصناعة الصينية غيّر معادلة التوريد، إذ أصبحت الشركات الصينية تنتج مكونات للطائرات المسيّرة تضاهي نظيراتها الغربية أو تتفوق عليها في بعض الحالات وبتكلفة أقل.
استقلال عسكري متزايد
وتأتي هذه التطورات في وقت توسعت فيه القدرات العسكرية للحوثيين بصورة كبيرة مقارنة ببدايات الحرب اليمنية. فمنذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، تحولوا إلى قوة تمتلك مئات الآلاف من المقاتلين، بحسب "بلومبيرغ"، وترسانة من الصواريخ الباليستية والجوالة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى القدرة على إسقاط طائرات أمريكية الصنع من طراز "إم كيو-9 ريبر".
ويموّل الحوثيون نشاطهم من الضرائب المفروضة على الشركات وواردات النفط والتهريب وإيرادات الاتصالات وشبكات مالية خارجية، إلى جانب الدعم الذي تلقوه من إيران. وتقدر وزارة الخزانة الأمريكية أن الجماعة تحقق مئات الملايين من الدولارات سنوياً من أنشطة من بينها فرض رسوم على واردات المشتقات النفطية.
وتقول ندوى الدوسري، الباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط، إن سنوات الدعم الإيراني لعبت دوراً محورياً في بناء هذه القدرات، مشيرة إلى أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني ساعدت الحوثيين على تطوير عملياتهم العسكرية وقدراتهم التصنيعية.
لكن الصورة التي يرسمها تحقيق "بلومبيرغ" تشير إلى مرحلة مختلفة: جماعة باتت أكثر قدرة على شراء المكونات بصورة منفصلة، والحصول على آلات التصنيع والمواد الخام عبر شبكات تجارية دولية، ثم تجميعها وإنتاج أجزاء من منظوماتها العسكرية داخل اليمن.
وهذه القدرة تجعل وقف تدفق السلاح أكثر تعقيداً؛ لأن خط الفصل بين السلعة التجارية والمكوّن العسكري أصبح أقل وضوحاً. فالمحرك أو جهاز الملاحة أو الراتنج الصناعي قد يكون منتجاً مدنياً عادياً عند خروجه من المصنع، لكن جمع عشرات هذه المكونات في شبكة توريد واحدة يمكن أن يحولها إلى أساس لمنظومة قتالية كاملة. وهو ما يلخصه تومسون بقوله إن الحصول على كثير من هذه القطع أصبح، من حيث السهولة، أشبه بالتسوق عبر متجر إلكتروني.