لم تعد الأزمة اليوم في الجنوب العربي مرتبطة فقط بحرب عسكرية أو صراع نفوذ سياسي، بل باتت أزمة حقيقة في مواجهة ماكينة تضليل ضخمة تحاول إعادة تشكيل الوعي الجنوبي وفق مصالح ومطامع سعودية لا ترى في الجنوب سوى جغرافيا استراتيجية وممراً لمشاريعها التوسعية.
وعندما تكذب السعودية فإنها لا تكذب على خصومها فقط، بل تحاول إقناع الجميع بأن روايتها المصطنعة هي الحقيقة المطلقة، لأن مشكلة الشقيقة الكبرى تكمن في اعتقادها أن المال قادر على شراء التاريخ، وأن النفوذ قادر على إسقاط القضايا العادلة، وأن غرف الإعلام الممول تستطيع إلغاء إرادة شعب كامل خرج منذ سنوات مطالباً بحقه في استعادة دولته وهويته وسيادته.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة اللواء عيدروس قاسم الزبيدي لم يكن ظاهرة عابرة كما حاول البعض تصويره، بل تحول إلى حامل سياسي لقضية شعب، وإلى رقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص الجنوب ومستقبله.
كل الحملات التي استهدفت المجلس الانتقالي لم تنجح في إضعاف حضوره الشعبي، بل كشفت حجم القلق الذي تعيشه بعض القوى الإقليمية من مشروع سياسي جنوبي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، ويطرح قضية واضحة عنوانها استعادة الدولة الجنوبية، ورفض التبعية والوصاية.
لقد حاولت الرياض طويلاً استخدام سياسة الاحتواء والإغراء السياسي والمالي مع القوى الجنوبية، وعندما فشلت في إخضاع الإرادة الجنوبية، انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على صناعة كيانات هشة، وتمويل أدوات إعلامية، وشراء أصوات تدعي الحديث باسم الجنوب، بينما هي في الحقيقة لا تمثل إلا الجهات التي تمولها.
لكن المشكلة التي لم تدركها السعودية حتى اليوم، أن الجنوب لم يعد ذلك الجنوب الذي يمكن إخضاعه عبر المال أو المناصب أو صفقات الغرف المغلقة، وأن الوعي الشعبي الجنوبي تجاوز مرحلة الارتهان، وأصبح أكثر إدراكاً لطبيعة المشاريع التي تستهدفه.
لقد كانت القوات الجنوبية في أصعب مراحل الحرب سنداً حقيقياً في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وقدمت تضحيات كبيرة دفاعاً عن الأرض والأمن الإقليمي، بما في ذلك حماية الحدود السعودية نفسها من التهديدات الحوثية، غير أن تلك التضحيات قوبلت باستهداف غادر، وبأساليب إضعاف ممنهج للقوة الجنوبية الصاعدة، فقط لأنها ترفض التخلي عن مشروعها الوطني، وترفض الوصايا السعودية على أرضها.
وفي الوقت الذي حاولت فيه بعض الأطراف تصوير المجلس الانتقالي الجنوبي على أنه انتهى أو فقد تأثيره، كانت الجماهير الجنوبية تخرج في كل مناسبة لتؤكد أن القضية الجنوبية لم تعد مرتبطة بأشخاص أو ظرف سياسي مؤقت، بل أصبحت مشروع شعب متجذر في الوعي الجمعي.
إن خطابات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، خلال السنوات الأخيرة عكست بوضوح حجم التحول السياسي الذي وصلت إليه القضية الجنوبية، فهو لم يقدم خطاباً عاطفياً مؤقتاً، بل طرح رؤية سياسية قائمة على حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، ورفض تحويل الجنوب إلى ساحة نفوذ أو ورقة مساومة إقليمية.
كما أن محاولات فبركة الروايات السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، أو تسويق أن الجنوب تخلى عن مشروع الاستقلال، لم تعد تقنع حتى البسطاء، لأن الواقع على الأرض يقول إن الجنوب ما زال متمسكاً بقضيته، وإن حملات التشويه الإعلامي لم تنجح إلا في كشف حجم العداء الذي تواجهه أي قوة جنوبية ترفض الارتهان.
إن القضية الجنوبية اليوم لم تعد مجرد مطلب سياسي، بل تحولت إلى معركة وعي وسيادة وكرامة وطنية، ومع كل محاولة لإضعاف المجلس الانتقالي أو استهداف قيادته، تتأكد حقيقة واحدة، أن الجنوب لا يمكن اختزاله في صفقات سياسية، ولا يمكن شراء إرادته مهما بلغ حجم المال أو النفوذ.
ويبقى المجلس الانتقالي الجنوبي رغم كل الضغوط والاستهداف، يمثل المشروع السياسي الأكثر حضوراً وتمثيلاً للقضية الجنوبية، من مكونات الرياض (المفرخة) لأنه يستند إلى قاعدة شعبية حقيقية، لا إلى غرف التمويل والتوجيه الإعلامي، ولأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والسيادة لا يمكن هزيمتها بحملات التضليل مهما اتسعت.
حقيقة أن الرياض فشلت خلال المرحلة الأخيرة في صناعة تيار جنوبي جديد قائم على التبعية والولاء في محاولة منها خلط الأوراق السياسية تحت لافتة (تمثيل الجنوب)، في محاولة لإرباك المشهد الجنوبي، وإضعاف الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي الجنوبي.
حيث أن هذا التيار الذي جرى تشكيله عبر أدوات المال والإغراءات والمناصب، لا يحمل مشروعاً وطنياً واضحاً بقدر ما يحمل أجندة مرتبطة بإعادة إنتاج الوصاية على الجنوب بصورة جديدة، مستغلاً بعض الشخصيات التي قبلت أن تتحول إلى واجهات إعلامية وسياسية مقابل امتيازات مالية ودعم خارجي.
غير أن الشارع الجنوبي بات أكثر وعياً من أي وقت مضى، ويدرك الفارق بين مشروع سياسي نشأ من رحم التضحيات الشعبية ويحمل قضية وطنية واضحة، وبين كيانات طارئة جرى تجميعها داخل الفنادق وغرف التمويل السياسي بهدف التشويش على قضية الجنوب الحرة ومحاولة إغراقها في صراعات جانبية تخدم مصالح إقليمية لا تؤمن فعلياً بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم وسيادتهم، بقدر إيمانها بمن سيدفع أكثر لبيع كرامتها.