آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-02:31م

إعادة بناء الدولة في اليمن تبدأ من هنا

قبل ساعتين


حسام الحفاظي
بقلم: حسام الحفاظي
ارشيف الكاتب

قبل سنوات، وخلال مشاركتنا في مؤتمر الحوار الوطني اليمني، طُرحت عشرات القضايا المتعلقة بشكل الدولة وتقاسم السلطة، لكن واحدة من أهم القضايا الجوهرية لم تأخذ حقها الكافي من النقاش: كيف تُدار الدولة فعلياً؟ في ذلك الوقت، حاولنا طرح تصور مختلف لا ينطلق من التجاذبات السياسية بقدر ما ينطلق من مفهوم "النظام" والكفاءة الإدارية، إلا أن الظروف حينها لم تكن مهيأة، فبقيت الفكرة مؤجلة في أدراج الأزمات المتعاقبة. واليوم، وبعد كل ما مر به اليمن من مخاضات عسيرة، أصبح من الجلي أن معضلتنا لم تكن يوماً في شكل الدولة فحسب، بل في غياب الأدوات السيادية والتقنية التي تجعل أي نظام سياسي قادراً على ممارسة مهامه.


من خلال تجربتي الحالية في أديس أبابا ومتابعتي الدقيقة للتحولات الهيكلية في إثيوبيا، يتضح أن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ من وفرة الموارد، بل من القدرة المطلقة على إدارتها والتحكم بتدفقاتها. الدولة التي لا "ترى" أموالها، ولا تملك نظاماً مالياً شفافاً، ستظل عاجزة ومسلوبة السيادة مهما امتلكت من إمكانات. وبالنظر إلى الواقع اليمني، نجد أن الجزء الأكبر من الاقتصاد لا يزال "غير مرئي"؛ حيث تتم معظم العمليات المالية خارج الأطر المنظمة، وسط سيطرة للتعاملات النقدية الورقية، وضعف حاد في الشمول المالي، وتعدد في قنوات التحصيل التي تفتقر للرقابة الفعالة، وهو ما يجعل أي حديث عن إصلاح اقتصادي أو زيادة في الإيرادات مجرد حبر على ورق ما لم يبدأ التغيير من الجذور.


إن المدخل الحقيقي لهذا التغيير يكمن في بناء نظام مالي رقمي وطني متكامل، ولكن هذا البناء يحتاج إلى "قاعدة" صلبة لا تتوفر في الأدوات التقليدية القائمة. وهنا تبرز الحاجة الملحة لتجاوز الكيانات المتقادمة مثل شركة "يمن موبايل" بوضعها الحالي، والتي لم تعد تواكب متطلبات العصر الرقمي وتفتقر لقواعد بيانات موثوقة ومطهرة يمكن الارتكاز عليها في بناء دولة. إن الخطوة الصفرية تبدأ بتأسيس أو إعادة هيكلة شاملة لقطاع الاتصالات الوطني ليكون مشغلاً رقمياً سيادياً متطوراً، يضمن ربط كل رقم هاتف بالهوية البيومترية للمواطن، ليصبح الهاتف المحمول هو "العنوان القانوني والمالي" المعتمد، والمنصة الآمنة التي تنطلق منها الدولة نحو المستقبل.


وعلى هذه القاعدة المتينة، يمكن تشييد ثلاثية رقمية متكاملة تبدأ بإنشاء بنك تجاري حكومي حديث يعمل إلى جانب البنك المركزي كمنصة شاملة لإدارة التدفقات المالية وفتح حسابات لكل المواطنين، يليه إطلاق نظام مدفوعات رقمية، محفظة مالية تحول الهاتف إلى أداة مالية متكاملة لتقليص الاعتماد على النقد وسحب الكتلة النقدية من الأسواق غير الرسمية. وتكتمل هذه المنظومة بـ "الهوية الرقمية الموحدة" التي تربط المواطن بكافة الخدمات الحكومية، وتوفر للدولة قاعدة بيانات دقيقة تُبنى عليها السياسات العامة وتُجفف من خلالها منابع الفساد والمحسوبية.


إن هذه الخطوات ليست مجرد تحديثات تقنية أو رفاهية رقمية، بل هي جوهر عملية إعادة بناء شرعية الدولة وهيبتها؛ فهي الكفيلة بضبط الإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق، واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته. اليمن اليوم يقف أمام لحظة فارقة تتطلب الشجاعة في اتخاذ القرار، فالاستمرار بالأدوات التقليدية والشركات المتهالكة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الأزمات. لقد آن الأوان لندرك أن بناء الدولة لا يبدأ من صياغة النصوص والعهود السياسية، بل من "النظام" الذي يمتلك الأدوات التقنية والسيادية لجعل تلك النصوص حقيقة معاشة على أرض الواقع.