في جنح الليل، حين يخلد الكثيرون إلى الراحة، هناك رجالٌ نذروا أنفسهم ليكونوا السياج المنيع والدرع الحصين لهذه المدينة. أتحدث هنا عن موقفٍ لم تروِهِ شاشات التلفاز، بل شهدته عينيّ في أروقة إدارة البحث الجنائي، حيث تتجلى معاني الفداء والمسؤولية في أبهى صورها.
بدأت القصة حين توجهتُ إلى الإدارة في أمرٍ بالغ الأهمية، وبعد أداء صلاة العشاء في "خور مكسر"، وصلتُ إلى البوابة أنشد لقاء القائد أبو حيدرة (مياس الجعدني). أخبروني حينها أنه خرج في "مهمة ميدانية"، وهي كلمة قد تبدو عادية للبعض، لكن ما رأيته لاحقاً كشف لي عن حجم الثقل الذي يحمله هذا الرجل على عاتقه.
انتظرتُ.. ومرت الساعات، وعقارب الساعة تقترب من الثالثة والنصف فجراً. وفي ذلك الوقت المتأخر، شق سكون الليل ضجيج المحركات، ليطل القائد أبو حيدرة عائداً من ميدان الشرف. لم يكن عائداً من نزهة، بل كان يجرّ خلفه "خيبة" المروجين والعابثين بعقول شبابنا، مكللاً بنصرٍ جديد في حربه المقدسة ضد المخدرات.
كان التعب يرتسم بوضوح على ملامحه، والإرهاق بادٍ على جسده المثقل بهموم أمة، لكن العجيب ليس في عودته فجراً، بل في تلك الروح الوثابة التي أخبرني عنها رفاقه؛ فبرغم هذا السهر وهذا العناء، يباشر القائد دوامه في الصباح الباكر بكل همة ونشاط، وكأن جسده لا يعرف طعماً للراحة ما دام هناك خطرٌ يتهدد شبابنا.
أخي القائد مياس الجعدني..
إنك لست مجرد مسؤول أمني يؤدي واجباً وظيفياً، بل أنت الأخ، والأب، والموجه، والمنقذ لهذا الجيل من براثن الضياع. في أمثالك من المخلصين تنهض الأمم، وبأمثالك نفخر ونعتز، فأنت العين الساهرة التي تحرس أحلامنا حين ينام الجميع.
حفظك الله ورعاك، وسدد على طريق الحق خطاك، ودمت ذخراً لعدن وللوطن، حامياً لشبابها، وقاهراً لأعداء الحياة.