آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-11:55ص
أخبار وتقارير

لماذا غامرت المملكة بقطع خيوطها مع القواعد الشعبية؟

تحليل سياسي: "انكسار الجرة".. السعودية والجنوب من التحالف الاستراتيجي إلى الصدام المفتوح

تحليل سياسي: "انكسار الجرة".. السعودية والجنوب من التحالف الاستراتيجي إلى الصدام المفتوح
الأربعاء - 07 يناير 2026 - 01:50 ص
- الواجهة العربية: وحدة التحليل السياسي

لم يكن استخدام سلاح الجو السعودي في حضرموت والمهرة مجرد "عملية عسكرية" عابرة، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن نهاية مرحلة "التحالف العاطفي" وبداية مرحلة "الواقعية الخشنة"


إن هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي دفعت المملكة للتضحية برصيدها الشعبي في الجنوب مقابل مكاسب جيوسياسية قد تكون مؤقتة.


أولاً: سيكولوجية الانكسار.. من "الحزم" إلى "الحذر"


في بداية 2015، رُفعت صور القادة السعوديين في شوارع عدن والمكلا كمنقذين، لكن هذا "الحب" بدأ يتآكل تدريجياً. التحول نابع من شعور الجنوبيين بـ "الخذلان"؛ فبينما كان الجنوب يطمح لاستعادة دولته، كانت الرياض ترسم خارطة نفوذ تضمن بقاء اليمن (شمالاً وجنوباً) تحت مظلة واحدة تخدم أمنها القومي، ولو أدى ذلك للاصطدام بطموحات حلفائها على الأرض.


ثانياً: حضرموت.. لماذا لجأت الرياض لـ "لغة النار"؟


لجوء السعودية للطيران والقوات الشمالية (المنضوية تحت لواء الشرعية) في حضرموت والمهرة يفسره الخبراء بعدة نقاط:

ـ الفشل في الإقناع السياسي: عندما فشلت الأدوات السياسية في كبح جماح التمدد العسكري الجنوبي نحو الهضبة النفطية، لم تجد الرياض بداً من استخدام "العصا الغليظة" لفرض توازن القوى.

ـ عقدة "الممر الاستراتيجي": ترى السعودية في حضرموت والمهرة امتداداً لأمنها القومي وممراً حيوياً نحو بحر العرب. أي سيطرة لقوات "غير خاضعة لقرارها المباشر" على هذه المناطق تعتبره الرياض تهديداً لمشاريعها المستقبلية (مثل مد خط أنابيب النفط).


ثالثاً: قطع آخر الخيوط.. مقامرة أم استراتيجية؟


السؤال الكبير هو: لماذا غامرت المملكة بقطع خيوطها مع القواعد الشعبية؟


- تغيير العقيدة السياسية: يبدو أن صانع القرار السعودي الجديد يؤمن بـ "المصالح الثابتة" لا "العواطف المتغيرة". الرياض تراهن على أن القوة العسكرية والمالية كفيلة بإعادة ترتيب المشهد لاحقاً، حتى لو فُقدت الحاضنة الشعبية مؤقتاً.


- تعدد الأوراق: تعتقد الرياض أن بإمكانها موازنة نفوذ "المجلس الانتقالي" من خلال خلق كيانات منافسة (مثل مجلس حضرموت الوطني)، وهي سياسة "فرق تسد" التي قد تنجح إدارياً لكنها تفشل اجتماعياً.


رابعاً: المهرة وحضرموت.. خسارة "القلب" مقابل "الجغرافيا"


لقد فقدت المملكة بالفعل الكثير من رصيدها في المهرة وحضرموت. فالمجتمع القبلي في هذه المناطق يمتلك ذاكرة سياسية طويلة، ورؤية الطيران يحلق فوق رؤوسهم لمنع قوات تنتمي لنسيجهم الاجتماعي من التقدم، ولد حالة من الاغتراب السياسي.



هذا ما يعني أن المملكة اليوم تقف في "منطقة رمادية" خطرة؛ فهي لم تعد الحليف الموثوق للجنوبيين، ولم تصبح بعد الشريك المسيطر كلياً على الأرض، إن استعداء الحاضنة الشعبية في الجنوب هو ثمن باهظ قد تدفعه الرياض مستقبلاً، لأن الجغرافيا يمكن احتلالها بالجيوش، لكن استقرارها لا يضمنه إلا قبول الشعوب.




خامساً: الحوار تحت الظلال الخشنة.. المناورة بالاحتواء


بعد وصول الصدام العسكري والسياسي إلى ذروته، بادرت المملكة للدعوة إلى حوارات (سواء في الرياض أو عبر رعاية تشكيل كيانات جديدة)، وهو ما يمكن قراءته ضمن استراتيجية "الاحتواء المزدوج":

- شرعنة الواقع الجديد:

لم تكن دعوات الحوار السعودية تهدف بالضرورة إلى حل الخلافات الجوهرية، بل كانت تهدف إلى "تأطير" القوى الجنوبية ضمن سقف سياسي يمنعها من تجاوز الخطوط الحمراء السعودية. الحوار هنا هو "المبرد" الذي يُستخدم لتنعيم حواف "العصا الغليظة" التي استُخدمت في حضرموت والمهرة.


ــ امتصاص الغضب الشعبي:

تدرك الرياض أن "انكسار الجرة" مع القواعد الشعبية لا يمكن جبره بالدبابات وحده، لذا يأتي الحوار كأداة علاقات عامة سياسية لإظهار المملكة بمظهر "الراعي التاريخي" و"الحكم العدل"، وهي محاولة لاستعادة جزء من الرصيد العاطفي المفقود عبر طاولة المفاوضات.


ـ سياسة "التجميد" لا "الحل": تهدف دعوات الحوار السعودية غالباً إلى الوصول لـ "نقطة تعادل" تضمن بقاء نفوذها في المناطق الاستراتيجية (المهرة وحضرموت) مقابل منح القوى الجنوبية اعترافاً سياسياً شكلياً أو حصصاً في السلطة المركزية، مما يضمن للمملكة كسب الوقت لاستكمال مشاريعها الجيوسياسية دون مقاومة مسلحة.


"دبلوماسية الإخضاع الناعم"


إن الربط بين الصدام العسكري والدعوة للحوار يكشف عن "تكتيك الكماشة" السعودي؛ فبينما تُستخدم القوة لترسيم حدود النفوذ على الأرض، يُستخدم الحوار لتقييد الطموحات السياسية داخل أروقة الفنادق. وبذلك، تحاول الرياض تحويل "الصدام المفتوح" إلى "خلاف مُدار"، حيث تظل هي الممسكة بخيوط اللعبة، حتى وإن باتت هذه الخيوط مهترئة بسبب فقدان الثقة الشعبية.