نظّم منتدى مدار للدراسات والبحوث في العاصمة عدن، مساء اليوم، برئاسة الدكتور فضل الربيعي، حلقة نقاشية بعنوان «الغطاء السياسي وتمثيل القوى الفاعلة على الأرض في المسار السياسي»، بمشاركة عدد من القيادات الأمنية والعسكرية والسياسية والأكاديمية، ونخبة من الإعلاميين والشخصيات الاجتماعية.
وفي افتتاح حلقة النقاش، ألقى الدكتور فضل الربيعي كلمة ترحيبية رحّب فيها بجميع الحاضرين، واستعرض المبادرات والأنشطة التي نظمها المنتدى والملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تبنّاها منذ بداية العام الحالي 2026م، ثم أتاح الفرصة للمشاركين للحديث وتقديم مداخلاتهم.
وناقشت الحلقة ثلاثة محاور رئيسية، تناولت تجارب التفاوض السابقة مع جماعة الحوثي ونتائجها، ومسرح عمليات الحرب على الأرض بين التضحيات وغياب الاستحقاق، وإشكالية القوات المسلحة الجنوبية وغطائها السياسي وتمثيلها في مسارات التسوية.
وأكد اللواء السفير قاسم عبدالرب، في مداخلته، أهمية القضية الجنوبية واستحقاقاتها، مستعرضاً أبرز المحطات السياسية التي مر بها الجنوب، ومثمّناً تضحيات القوات المسلحة الجنوبية في مواجهة هجمات الحوثيين. كما وصف المجلس الانتقالي الجنوبي بأنه مكسب للقضية الجنوبية، رغم ما قد يرافق تجربته من أخطاء روحي الحفاض عليه.
من جانبه، شدّد العميد عبدالناصر السنيدي على أن حسم الحرب، من وجهة نظره، لن يتحقق بالبيانات والخطابات والشعارات السياسية وحدها، مثمّناً التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب في مواجهة هجمات الحوثيين.
بدوره، أكد الدكتور خالد بن شجاع، مدير عام الإدارة العامة للدراسات والبحوث في وزارة العدل، أهمية توحيد الجهود وتعزيز الشراكة الوطنية والاستفادة من أخطاء الماضي، مشيراً إلى أن الحفاظ على الأمن والاستقرار في العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية مسؤولية مشتركة.
وفي مناقشة المحاور السياسية والعسكرية، سلطت أوراق العمل الضوء على إشكالية غياب التوازن بين القوى الفاعلة على الأرض والتمثيل السياسي في مسارات التفاوض، وتوقيع الهدن، مؤكدة أن غياب هذه القوى عن أي مفاوضات يضعف واقعية الاتفاقيات السياسية ويجعل تنفيذها على الأرض أكثر صعوبة.
كما تناولت الأوراق الفجوة بين حجم التضحيات البشرية والعسكرية التي قدمتها القوى الميدانية الجنوبية، وما يقابلها من مكاسب واستحقاقات سياسية وخدمية، مشيرة إلى أن تضحيات الجبهات والقوات المقاتلة، وما قدمته من شهداء وجرحى دفاعاً عن الأرض ومنعاً للتمدد الحوثي، لم تنعكس، وفقاً لما تسير عليه تجارب المفاوضات .
إذ لا تعبر عن مكاسب سياسية متوازنة أو تحسن ملموس في الأوضاع الخدمية والاقتصادية للمواطنين في المناطق المحررة.
وتطرقت المناقشات إلى تجارب التفاوض السابقة مع جماعة الحوثي، محذّرة من أن إعادة إنتاج الأطر التفاوضية التقليدية قد تمنح الجماعة وقتاً إضافياً لترسيخ نفوذها وبنيتها الموازية، فضلاً عن أن الاتفاقيات السابقة أسهمت، وفقاً لما ورد في أوراق العمل، في الحد من قدرة القوى الميدانية على استكمال تحرير المناطق أو تثبيت شروط تفاوضية أقوى.
وفي الجانب العسكري، أشارت أوراق العمل إلى ما وصفته بالحضور الميداني الفاعل للقوات المسلحة الجنوبية بمختلف تشكيلاتها الأمنية والعسكرية، ودورها في تثبيت الاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية خطوط الملاحة والمناطق الممتدة جنوباً.
كما ناقشت تعقيدات الغطاء السياسي للقضية الجنوبية في ظل وجود بعض مكونات جنوبية ضمن سلطة ائتلافية متعددة الأطراف. كما اكدة المداخلات على اهمية استعادة دور المجلس الانتقالي الجنوبي كممثلة للقضية الجنوبية وتضحيات القوى الفاعلة على الارض، داعيين المملكة العربية السعودية والاقليم إلى إعادة النظر في العلاقة مع المجلس الانتقالي، بوصفه احد تطورات المرحلة الراهنة، التي اسهمت في محافحة الارهاب.
كما نبه الحاضرون إلى مخاطر تداخل في الأدوار والمسؤوليات، بين القوى الفاعلة،
وتحديات تتعلق بتوحيد الموقف السياسي والتفاوضي.
وشددت مخرجات الحلقة النقاشية على عدد من التوصيات، أبرزها:
1. توحيد الموقف التفاوضي: تعزيز تمثيل القوى الفاعلة على الأرض في صناعة القرار السياسي ووفود التفاوض، بما يعكس واقعها الميداني وحجم تضحياتها، ويضمن واقعية الاتفاقيات وإمكانية تنفيذها.
2. التاكيد على وضع إطار يضمن عدم التخلي عن أوراق الضغط الميدانية إلا مقابل خطوات عملية محددة بضمانات دولية، وربط أي اتفاقات مستقبلية بآليات تنفيذ واضحة ومحددة زمنياً.
3. معالجة الفجوة بين التضحيات والاستحقاقات: العمل على ترجمة التضحيات العسكرية والبشرية إلى استحقاقات سياسية وأمنية وخدمية ملموسة، وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين في المحافظات الجنوبية.
4. تعزيز الشراكة السياسية والعسكرية: توحيد الصف الجنوبي، وتوسيع الشراكة بين مختلف المكونات والقوى الفاعلة، وتعزيز التنسيق بين القوات المسلحة الجنوبية والغطاء السياسي، بما يحافظ على الأمن والاستقرار ويحد من تداخل الأدوار والمسؤوليات.
5. ضمان الاعتراف بقضية الجنوب: العمل على انتزاع اعتراف إقليمي ودولي صريح بقضية شعب الجنوب بوصفها مساراً رئيسياً ومستقلاً في أي تسوية سياسية قادمة، والتمسك بوجود إطار تفاوضي خاص بها ضمن محادثات السلام النهائية.
6. رفض الحلول الجزئية للقضايا الرئيسية: التأكيد على أن القضية الجنوبية لا يمكن معالجتها عبر حلول جزئية أو اختزالها في الملفات الإنسانية والخدمية، بل ينبغي تناولها ضمن تسوية سياسية شاملة تستوعب أبعادها واستحقاقاتها.
وخلصت أوراق العمل والمناقشات إلى أن نجاح أي مسار سياسي يتطلب مواءمة التمثيل السياسي مع الواقع الميداني، وضمان مشاركة القوى الفاعلة في صياغة الاتفاقيات وتنفيذها، بما يمنع تكرار إخفاقات التجارب السابقة.
واختُتمت الحلقة بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من التضحيات الميدانية إلى استحقاقات سياسية ملموسة، من خلال توحيد الصف الجنوبي وبناء موقف تفاوضي متماسك يضمن حضور قضية الجنوب في أي تسوية قادمة، ويحفظ التضحيات ويعزز فرص تحقيق الأمن والاستقرار.