في خطوة وصفت بأنها "إعادة صياغة" للخارطة السياسية في جنوب اليمن، أعلنت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض حل المجلس بكافة هيئاته، وبينما باركت المملكة العربية السعودية هذه الخطوة عبر وزير دفاعها الأمير خالد بن سلمان، واصفاً إياها بـ"القرار الشجاع"، اشتعلت جبهة الرفض من داخل أروقة المجلس ومن قياداته التاريخية، معتبرين أن القرار وُلد تحت "الإقامة الجبرية".
محاور القرار المعلن:
• الذوبان التنظيمي: إلغاء كافة مكاتب وهيئات المجلس في الداخل والخارج.
• الهدف الاستراتيجي: الحفاظ على "وحدة الصف" والاستجابة لمبادرة سعودية لعقد حوار شامل.
• المسار البديل: تشكيل "لجنة تحضيرية" لمؤتمر جنوبي يضم كافة المكونات (بما فيها تلك المعارضة للانتقالي) تحت رعاية الرياض.
تحليل سياسي: الأبعاد والدلالات
1. الأزمة البنيوية والضغوط الإقليمية
يكشف البيان عن وجود ضغوط إقليمية هائلة (سعودية تحديداً) لإنهاء حالة "التمثيل المنفرد" للقضية الجنوبية التي كان يتبناها الانتقالي، حيث أن التوقيت مرتبط بتوتر الأوضاع في حضرموت والمهرة، حيث سعت الرياض لإيجاد صيغة سياسية "تكنوقراطية" أو "توافقية" أوسع، تتجاوز أدبيات الانتقالي الثورية لتتناسب مع متطلبات التسوية الشاملة مع الحوثيين.
2. شرعية "تحت الضغط" (قراءة في تصريحات بن بريك والتميمي)
جاء رد فعل هاني بن بريك وناطق المجلس أنور التميمي ليكشف عن انقسام حاد أو "توزيع أدوار" داخل القيادة:
• هاني بن بريك: استخدم لغة دينية وسياسية قوية (الإكراه، الإقامة الجبرية) لإسقاط الشرعية القانونية عن القرار، وهو ما يمنح القواعد الشعبية والتشكيلات العسكرية "غطاءً شرعياً" للتمرد على القرار.
• أنور التميمي: وضع شرطاً تعجيزياً (الإفراج عن الوفد أولاً)، مما يعني أن المجلس "مختطف" سياسياً في الوقت الحالي.
التأثير على الشارع الجنوبي: سيناريوهات الغليان
من المتوقع أن يمر الشارع الجنوبي بحالة من الصدمة والارتباك، ويمكن تلخيص التأثيرات في النقاط التالية:
• فقدان الثقة: قد يشعر المؤيدون للانتقالي بـ "الخذلان"، مما قد يؤدي إلى انقسام الشارع بين تيار "الواقعية السياسية" الذي يتبع الرياض، وتيار "المقاومة" الذي يرى في القرار تصفية للقضية.
• مخاوف أمنية: حل الهيئات قد يؤدي إلى فراغ إداري وأمني، خاصة أن "القوات المسلحة الجنوبية" مرتبطة تنظيمياً بالمجلس. غياب القيادة قد يدفع ببعض الفصائل للتصرف بشكل أحادي.
• تنامي التيار الراديكالي: قد تستفيد القوى الجنوبية المعارضة للانتقالي أو القوى المتشددة من هذا التخبط لإعادة طرح نفسها كبديل "أكثر ثباتاً" على المبادئ.
خيارات المجلس الانتقالي (الذين لم يشاركوا والرافضين)
بالنسبة للقيادات والقواعد التي لم تكن جزءاً من "الحوار الجنوبي الجديد" أو الرافضة له، فإن خياراتها تنحصر في الآتي:
• الضغط الشعبي (الانتفاضة): تحريك الشارع بمسيرات كبرى لرفض الحل، لإيصال رسالة للمجتمع الدولي والسعودية بأن "الشعب هو صاحب القرار" وليس القادة المحتجزين.
• المناورة السياسية (المشاركة المشروطة): الانخراط في اللجنة التحضيرية لمؤتمر "الحوار الجنوبي" ولكن بكتلة صلبة ترفض أي تنازل عن "سقف الاستقلال"، ومحاولة إفراغ قرار الحل من محواه عبر السيطرة على مخرجات المؤتمر الجديد.
• إعادة التموضع والتحالفات: البحث عن حلفاء إقليميين آخرين أو تعزيز التحالف مع القوى المحلية في حضرموت والمهرة لقطع الطريق على مشروع "المؤتمر الشامل" الذي ترعاه السعودية إذا اعتبروه "تصفية للقضية".
ويرى مراقبون أن المشهد اليمني أمام "انتحار سياسي" منظم للمجلس الانتقالي بصيغته القديمة، مقابل محاولة سعودية لولادة "كيان جنوبي" جديد يكون أكثر مرونة في مفاوضات الحل النهائي، لكن مخاطر هذا المسار تكمن في احتمالية فقدان السيطرة على الأرض وانفجار الوضع عسكرياً في عدن.