في خطوة دبلوماسية متسارعة تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري والسياسي الذي شهده جنوب اليمن مطلع عام 2026، أعلنت المملكة العربية السعودية عن استضافة "مؤتمر حوار جنوبي-جنوبي شامل" في الرياض. تأتي هذه الدعوة استجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وفي ظل تطورات ميدانية دراماتيكية أعادت صياغة موازين القوى في محافظتي حضرموت والمهرة.
أهداف المملكة من "حوار الرياض" الجديد
تسعى الرياض من خلال هذا المؤتمر إلى تحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد التهدئة المؤقتة وتتمثل في :
1- توسيع قاعدة التمثيل الجنوبي: تهدف المملكة إلى كسر "التمثيل المنفرد" للقضية الجنوبية، من خلال إشراك كافة المكونات السياسية والقبلية والاجتماعية (مثل مؤتمر حضرموت الجامع، ومجلس الحراك الثوري، ومكونات المهرة وأبين) لضمان عدم انفراد فصيل واحد بقرار الجنوب خصوصاً بعد سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظات الشرقية.
2- شرعنة الحل ضمن الإطار اليمني الشامل: تؤكد السعودية أن القضية الجنوبية "عادلة"، لكنها تشترط أن تُحل عبر الحوار السياسي وبعيد عن أي تصعيد عسكري وبما يحافظ على استقرار الدولة، بعيداً عن الخطوات الأحادية أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
3- نزع فتيل الصراع العسكري: يأتي المؤتمر كمخرج سياسي عقب المواجهات التي شهدتها حضرموت والمهرة بين قوات "درع الوطن" (المدعومة سعودياً) وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي(المدعومة إماراتياً)، سعياً لدمج كافة القوى تحت مظلة شرعية موحدة.
,4- إعادة تموضع الدور السعودي كـ "ضامن وحيد": تعيد الرياض تأكيد دورها كمرجعية أساسية للحل في اليمن، خاصة بعد الأنباء عن تباين وجهات النظر الإقليمية والانسحابات العسكرية الأخيرة.
وهنا يأتي السؤال
هل ينهي المؤتمر دور "المجلس الانتقالي الجنوبي"؟
الإجابة ليست "بالنفي" أو "الإثبات" المطلق، بل هي عملية "إعادة صياغة" لنفوذ المجلس:
1- ليس إنهاءً بل "تحجيماً"
المملكة لا تسعى لإلغاء المجلس الانتقالي كلياً، كونه شريكاً في مجلس القيادة الرئاسي وله قاعدة شعبية وعسكرية لا يمكن تجاهلها وله دور كبير في مواجهة عدو المملكة الأول وهو الحوثيين، ومع ذلك، يهدف المؤتمر إلى تحويله من "سلطة أمر واقع" وحيدة في الجنوب إلى "طرف ضمن أطراف" متعددة.
2- سحب بساط "التمثيل الحصري"
من خلال دعوة مكونات جنوبية منافسة للانتقالي (خاصة من حضرموت والمهرة وأبين)، تضع المملكة المجلس الانتقالي أمام استحقاق جديد: إما القبول بالشراكة مع هذه المكونات، أو مواجهة العزلة السياسية. هذا التعدد يقلص من قدرة الانتقالي على المناورة بورقة "التفويض الشعبي الوحيد".
3- تقييد التحركات الأحادية
جاءت الدعوة السعودية مباشرة بعد إعلان الانتقالي عن "مرحلة انتقالية لمدة سنتين" وإصدار "إعلان دستوري"، وهي خطوات اعتبرتها الرياض تمرداً على التوافقات، المؤتمر يهدف بوضوح إلى فرملة هذه الطموحات وإعادتها إلى طاولة المفاوضات التي ترعاها المملكة.
يرى مراقبون إن مؤتمر الرياض القادم يمثل "مختبراً" حقيقياً لمستقبل الجنوب؛ فإما أن ينجح في خلق رؤية موحدة تستوعب الجميع، أو يكرس حالة الانقسام إذا ما شعرت بعض الأطراف أن الحوار صُمم لتقليص نفوذها الميداني لصالح قوى ناشئة مدعومة من الرياض.